:لم يكن حفل “التميز والتراث” في نسخته السابعة، الذي نظمته جمعية الشعلة للتربية والثقافة فرع آسفي مساء الخميس، مجرد نشاط فني أو مناسبة احتفالية عابرة، بل شكل لحظة ثقافية وتربوية بامتياز، اختارت من خلالها الجمعية أن تجعل من التراث المحلي والقيم الإنسانية والوطنية مادة للحوار والتربية والتأمل في قضايا المجتمع وهمومه وتطلعاته.
ومنذ اختيار شعار الدورة “”شعلة الأجيال.. تراث الأجداد بأنامل الأحفاد”، بدا واضحاً أن الرهان يتجاوز مجرد استحضار الماضي أو الاحتفاء بالموروث الشعبي، نحو بناء جسور متينة بين الأجيال، وترسيخ وعي جماعي يجعل من التراث رصيداً حياً قادراً على مواكبة الحاضر واستشراف المستقبل. فالتراث في هذا التصور ليس مجرد أزياء وأهازيج وفنون شعبية، بل منظومة من القيم والمعاني التي صنعت شخصية المجتمع المغربي عبر التاريخ.
وما منح هذه الدورة خصوصيتها هو نجاحها في تحويل الخشبة إلى فضاء للتعبير عن قضايا ذات دلالات إنسانية ووطنية عميقة. فقد حضرت القضية الفلسطينية كرمز للحق والكرامة والصمود، في تأكيد على أن الثقافة تظل أحد أهم الجسور التي تربط الأجيال بقضايا الأمة العادلة. كما حضرت الوحدة الترابية للمملكة باعتبارها قضية وطنية جامعة، تعكس قوة التلاحم بين الشعب المغربي وعرشه في الدفاع عن ثوابت الوطن ومقدساته.
وفي بعد اجتماعي لا يقل أهمية، سلطت فقرات الحفل الضوء على مكانة الأسرة باعتبارها الحاضنة الأولى للقيم ومشتل المواطنة الصالحة، في زمن تتعرض فيه الأسرة لتحديات متزايدة تستدعي مزيداً من الوعي والتماسك والدفاع عن وحدتها واستقرارها. وهي رسالة ذات دلالة خاصة تنسجم مع الأدوار التربوية التي دأبت جمعية الشعلة على الاضطلاع بها منذ تأسيسها.
كما نجحت التظاهرة في استحضار قيم التضامن والتكافل التي تميز المجتمع المغربي في أوقات الأزمات. ولعل استلهام تجربة فيضانات وادي الشعبة شكل إحدى أبرز لحظات هذا الاستحضار، حيث أعادت بعض الفقرات التذكير بما أبان عنه أبناء المنطقة من روح تعاون وتآزر وتلاحم إنساني في مواجهة المحنة، مؤكدة أن قوة المجتمعات لا تقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات مادية، بل أيضاً بما تختزنه من قيم التضامن والإيثار والمسؤولية المشتركة.
ومن بين الرسائل التي برزت بقوة خلال الحفل كذلك، الاحتفاء بروح التطوع والعطاء والمبادرة، والتنويه بأولئك الذين يشتغلون في صمت بعيداً عن الأضواء، واضعين المصلحة العامة فوق الاعتبارات الشخصية. وهي قيم ظلت جمعية الشعلة حريصة على غرسها في الأجيال الصاعدة، إيماناً منها بأن التنمية الحقيقية تبدأ ببناء الإنسان القادر على المبادرة وخدمة مجتمعه بروح المسؤولية ونكران الذات.
ولم يكن من قبيل الصدفة أن يتزامن كل ذلك مع لحظات التكريم والاعتراف التي خصصت لشخصيات بصمت مساراتها في مجالات الثقافة والإبداع والعمل المجتمعي. فثقافة الاعتراف ليست مجرد تقليد احتفالي، بل هي فعل حضاري يعكس وفاء المجتمع لنسائه ورجاله الذين أسهموا في خدمة محيطهم، كما تشكل رسالة تربوية للأجيال الجديدة بأن العطاء الصادق لا يضيع وأن المجتمع يحتفظ في ذاكرته بمن خدموه بإخلاص.
إن النسخة السابعة من حفل التميز والتراث أكدت مرة أخرى أن العمل الجمعوي الجاد قادر على الجمع بين المتعة الفنية والرسالة التربوية، وبين صون التراث والانشغال بقضايا الحاضر. كما أكدت أن الثقافة ليست ترفاً، بل أداة لبناء الوعي وترسيخ القيم وتعزيز الانتماء. ولذلك بدا الحفل أشبه باحتفاء جماعي بالهوية المغربية في أبعادها الوطنية والإنسانية والتضامنية، وبالأمل الذي تحمله الأجيال الجديدة وهي تتسلم مشعل المحافظة على الذاكرة الجماعية وصناعة المستقبل.
لقد نجحت جمعية الشعلة للتربية والثقافة بآسفي في تقديم نموذج ثقافي وتربوي يؤمن بأن حماية التراث لا تنفصل عن حماية القيم، وأن الاعتزاز بالماضي لا يكتمل إلا بالإيمان بالمستقبل، وأن المجتمعات القوية هي تلك التي تحفظ ذاكرتها، وتكرم أبناءها، وتربي ناشئتها على حب الوطن والتضامن والعطاء والتلاحم الإنساني.

