في زاويةٍ معتمةٍ من زوايا هذا العصر المادي، حيث اختلطت المفاهيم وانتكست الفطر، جمعني مجلس مع شاب ميسور الحال، أسمر البشرة، يحمل في ملامحه طيبة طالما عُرفت عن شريحة “لحراطين” الكريمة. لكن حديثه لم يكن عن كفاحٍ أو طموح، بل كان بوحاً يقطر بمرارةِ واقعٍ مخيف.
حدثني بلهجةٍ تختلط فيها نشوة الانتصار الزائف بعبثية الضياع، كيف أنه أدار ظهره لـ”الحلال”، لا زاهداً فيه، بل لأن “الحرام” قد فُتحت له أبوابه على مصراعيها. قال لي إن ما يجده في مستنقع الخطيئة من نساءٍ يُشار إليهن بالبنان، ذواتِ حسبٍ ونسبٍ ومكانة، يستحيل عليه بلوغه عبر أبواب الزواج الشرعي. في ذلك السوق المظلم، هو “السيد” الذي يختار وينتقي كيف شاء، دون أن يتجشم عناء الخطبة ومهرها، ودون أن يصطدم بحواجز الطبقات الاجتماعية التي تتبخر فجأة أمام بريق المال!
ويا للعجب من بضاعةٍ رخيصةٍ تُعرض في غلافٍ مزيف! أخبرني أن مفاتيح تلك القلوب الخاوية لم تكن سوى “مظاهر فارغة”: مقعدٌ وثير في سيارة فارهة، ومائدةٌ دسمة تتوسطها لحوم الجديان، وجلسةٌ تعانق أمواج البحر في شاليه منعزل أو فندقٍ فاخر. من أجل هذه التوافه، تُنحر العفة، وتُداس كرامة البيوت.
ولعل أشد ما يثير السخرية الممزوجة بالبكاء في قصته، هو تلك “الكوميديا السوداء” التي يضطر لتمثيلها. فبعض هؤلاء الفتيات، اللواتي تخلين عن أغلى ما يملكن، لا يزلن أسيراتٍ لغرور “النسب”. يشترطن فيمن يقارف معهن الخطيئة أن يكون “شريفاً” أو من الزويا أو من العرب! فيضطر صاحبنا لادعاء نسب ما ليُرضي غرورهن الأجوف.
عجبا يطلبن الزنا، ويشترطن في الزاني شرف النسب! أية جاهليةٍ حديثةٍ هذه التي تعيشها هذه العقول؟ وأي تناقضٍ يعصف بأرواحٍ تقبل تدنيس العرض، وتستنكف من اختلاف اللون أو العرق؟!
وبينما يعبث الشاب بهن، كنّ يقصصن عليه بانتشاءٍ بطولاتهن الوهمية في رفض الخُطَّاب “الشرعيين”. يسخرن من ابن العم لأنه “فقير”، ويرفضن الشاب الملتزم بدعوى أنه “متزمت وسيخنق حريتهن”، ويتعالين على الموظف البسيط لأنه لا يليق بمقامهن المخملي. يرفضن الحلال لـ”أسباب تافهة”، ويُلقين بأنفسهن في أحضان الحرام لـ”أسباب أتفه”!
أما الطامة الكبرى، فكانت في اختراق هذا الشاب لأسوار بيوتهن. حدثني كيف دلف إلى مجالس العائلات، حاملاً هداياه الثمينة، ليُستقبل استقبال الفاتحين الأبطال من قِبل الأمهات والأخوات. انخدعوا ببريق ماله، وغرتهم هداياه، ففرشوا له السجاد الأحمر، غافلين —أو متغافلين— ليصبح المال هو الإله المعبود الذي يغفر كل خطيئة في نظر مجتمعٍ ماديٍ بائس.
إن هذه القصة المحزنة ليست مجرد سقطةِ شابٍ أو طيشِ فتيات، بل هي عرضٌ لمرضٍ خبيث ينهش في جسد الأمة، يستوجب وقفةً شرعيةً صارمة تعيد الأمور إلى نصابها:
إن من أعظم الكوارث التي ورثناها من بقايا الجاهلية، هي ربط القيمة الإنسانية باللون أو العرق أو النسب. لقد جاء الإسلام العظيم ليحطم هذه الأصنام تحت قدمي النبي ﷺ حين قال: “لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى”.
إن اللون الأسود الذي قد ينظر إليه بعض مرضى القلوب نظرة دونية في “الحلال”، هو لون بشرة بلال بن رباح الذي سُمعت خشخشة نعليه في الجنة. في شرع الله، لا وزن لـ”حرطاني” أو “شريف” إلا بما وقر في القلب من إيمان وما صدقه العمل. إن قيمة هذا الشاب، وقيمة أي إنسان، لا تتحدد بلونه، بل باستقامته وخوفه من الله، وكلنا لآدم وآدم من تراب.
قد يظن هذا الشاب الطيب أن سهولة تيسر النساء له، واختياره منهن ما يشاء، هو دليل على دهائه أو متعة خالصة. وفي ميزان الشرع، هذا هو عين الاستدراج. يقول تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾. إن الله إذا غضب على عبد مهد له طريق المعصية وزيَّنها له حتى يلقاه بذنوبٍ كالجبال. إن هذا المال الذي يُنفق في الحرام هو نارٌ يوقدها الشاب في قبره قبل آخرته.
أما الفتيات اللواتي يرضين ببيع أعراضهن مقابل وجبة طعام أو جولة في سيارة فارهة، فقد وصلن إلى قاع المهانة الإنسانية والشرعية. إنهن يجسدن حالة من “العمى القلبي”؛ حيث يستقبحن الحلال النقي لأنه فقير أو ملتزم، ويستحسن الحرام النجس لأنه مُغلف بالمال. وادعاؤهن البحث عن “صاحب النسب” في وحل الزنا هو أقبح أنواع الجهل؛ فالزنا يهدم الأنساب ولا يبنيها، والنسب الشريف بريءٌ ممن يعصي الله، فكيف بمن يبارزه بالكبائر؟
إن الاستقبال الحافل الذي حظي به هذا الشاب في بيوت الفتيات يضع علامة استفهام كبرى حول دور الأسرة. لقد أصبح تقييم الخاطب أو الضيف مقصوراً على ماركة سيارته وثمن هديته، وضاع التوجيه النبوي: “إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه”. حين تتخلى البيوت عن حراسة الفضيلة، وتفتح أبوابها للمال بغض النظر عن مصدره أو أخلاق صاحبه، فلا تلومنّ إلا نفسها إذا سقطت الجدران على ساكنيها.
وأخيرا إنما أقص هذه القصة صَرخَةَ نذير. هي دعوة لهذا الشاب أن يتقي الله في شبابه وماله، وأن يعلم أن رجولته الحقيقية تكمن في قدرته على كبح جماح شهوته، وبناء أسرة طاهرة بالحلال، متجاوزاً عقدة اللون التي لا وجود لها إلا في عقول السخفاء. وهي دعوة للفتيات وللأسر أن يفيقوا من سكرة المظاهر؛ فالسيارة الفارهة ستصدأ، والمال سيفنى، والمناظر الخلابة ستزول، ولن يبقى للإنسان إلا دينه وعرضه، والوقوف بين يدي ربٍ لا تخفى عليه خافية.
جعفر مولاي الزين أحمدو

