العيرج ابراهيم:
في وقت كان ينتظر فيه المغاربة لفتة اجتماعية تُرمم ما أفسدته الاختيارات الاقتصادية للحكومة الحالية، تطل علينا أزمة أسعار أضاحي العيد لتؤكد بالملموس أننا أمام سلطة تنفيذية تتقن لغة الأرقام الجافة وتفشل بشكل ذريع في تدبير المعيش اليومي للمواطنين. وهو ما فجّره بوضوح الفاعل السياسي والمدني إسحاق شارية، في هجوم لاذع وضع فيه الأصبع على مكمن الداء: حكومةٌ أنهكت جيوب المغاربة، وحوّلت شعيرة دينية إلى همّ وطني يؤرق ملايين الأسر.
لقد لخصت التصريحات الأخيرة لشارية واقعاً مريرًا يعيشه المغاربة؛ واقع يتسم بالتناقض الصارخ الذي لا يمكن أن يستقيم في أي منظومة اقتصادية تحترم عقول مواطنيها. فكيف يُعقل أن تتبجح البلاغات الرسمية بـ”وفرة العرض” وتأمين القطيع الوطني، بينما تصطدم العائلات في الأسواق و”الشناقة” بـ”لهيب أسعار” غير مسبوق، يتجاوز القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة، ناهيك عن الفئات الهشة والفقيرة؟
إن هذا التناقض يكشف بالملموس أن تطمينات الحكومة لم تكن سوى مساحيق تجميلية لتغطية عجزها عن ضبط الأسواق، ومحاربة المضاربين، والتحكم في سلاسل التوزيع. لقد تركت الحكومة المواطن البسيط وجهاً لوجه أمام جشع “سماسرة الأزمات”، دون أي آليات رقابية حقيقية تفكك هذا اللغز: إذا كان العرض متوفراً وبكثافة، فلماذا تشتعل الأسعار؟ ومن المستفيد الحقيقي من هذا النزيف؟
الحقيقة التي لم يعد ممكنًا حجبها بغربال البلاغات، هي أن السياسات المتبعة طيلة الولاية الحالية قادت إلى إنهاك بنيوي للمجتمع المغربي. فقد توالت الضربات على القدرة الشرائية من بوابة المحروقات، والمواد الغذائية الأساسية، وصولاً إلى أضحية العيد التي باتت عبئاً ثقيلاً يهدد التماسك الاجتماعي.
إن هذا الهجوم الشديد على الأداء الحكومي ليس مجرد مزايدة سياسية، بل هو صرخة في واد الصمت الحكومي، وتعبير حقيقي عن حالة “الاحتقان الصامت” التي تسكن البيوت المغربية. إن استمرار الحكومة في نهج سياسة “الآذان الصماء” والهروب إلى الأمام بتقديم مبررات واهية، لن يساهم إلا في تعميق الهوة بين المواطن والمؤسسات.
لقد حان الوقت لتتحمل هذه الحكومة مسؤوليتها السياسية والأخلاقية، وتدرك أن دورها الأساسي هو حماية الاستقرار الاجتماعي وتأمين عيش المغاربة كراماً، وليس الوقوف موقف المتفرج الصامت أمام “مقصلة الأسعار” التي تذبح جيوب المواطنين قبل تضحيتهم بالعيد

