العيرج ابراهيم:
في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار نحو أروقة الأمم المتحدة بحثاً عن حل سياسي واقعي ومستدام لنزاع الصحراء المغربية، وفي ظل دينامية دولية متصاعدة تدعم سيادة المغرب على أراضيه، اختارت جبهة “البوليساريو” الهروب إلى الأمام عبر تصعيد عسكري خطير استهدف أحياءً سكنية بمدينة السمارة، العاصمة الروحية للمنطقة. هذا الفعل الذي تجاوز كونه خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار، جاء ليعكس حالة من التخبط الاستراتيجي واليأس الميداني، حيث إن لجوء الجبهة الانفصالية لإطلاق قذائف عشوائية على مدنيين في توقيت يشهد زخماً دبلوماسياً مغربياً، لا يمكن قراءته إلا كـ “مقامرة سياسية” غير محسوبة العواقب. فبعد فشل محاولات عرقلة معبر الكركرات وتلاشي بريق الدعاية الحربية خلف الجدار الأمني، لم يتبقَ أمام الجبهة سوى استهداف الاستقرار الاجتماعي في الحواضر الكبرى لمحاولة لفت الانتباه الدولي، وهي مقامرة ارتدت سريعاً على أصحابها؛ إذ كشفت للعالم وجهاً يقترب من سلوك الجماعات المسلحة التي تستهدف الأبرياء، مما يضعها في مواجهة مباشرة مع المنتظم الدولي ومواثيق حقوق الإنسان.
ويكتسي هذا التصعيد خطورة إضافية لكونه يأتي في ظل تنسيق عسكري مغربي-أمريكي رفيع المستوى وحضور دولي وازن في المنطقة، مما يجعل من قذائف السمارة تحدياً صريحاً للإرادة الدولية التي تستثمر في استقرار المنطقة. فواشنطن، التي تعترف بسيادة المغرب على صحرائه، ترى في هذه التحركات تهديداً للأمن الإقليمي في منطقة الساحل والصحراء الحساسة، وهو “تحرش” عسكري قد يعجل بقرارات دولية أكثر صرامة ضد الطرف المعرقل ويسرع من وتيرة الاعترافات بمخطط الحكم الذاتي كحل وحيد. وعلى المستوى الميداني، تؤكد هذه الهجمات المعزولة أن الجبهة فقدت القدرة على المواجهة المباشرة بعدما أحكم المغرب قبضته الدفاعية بوسائل تكنولوجية متطورة، مما دفعها لأسلوب “الضرب والهروب” العشوائي الذي لا يغير من الواقع شيئاً بقدر ما يعمق عزلتها.
وفي نهاية المطاف، يبدو أن حادثة السمارة ليست سوى “رقصة الديك المذبوح” لمحاولة إثبات الوجود أمام محتجزين يتساءلون عن جدوى عقود من الانتظار، بينما يثبت المغرب برزانته وتشبثه بالمسار الأممي مع الاحتفاظ بحق الرد، أنه الطرف الأكثر نضجاً ومسؤولية، لتظل القذائف التي سقطت في السمارة شاهدة على دفن ما تبقى من “شرعية” سياسية للمشروع الانفصالي الوهمي تحت رمال الصحراء المغربية المدعوم من طرف الخصوم .

