وكالة أخبار البيئة – انطلق هذه الأيام، في مناطق واسعة من الصحراء الكبرى، موسم صيد “الشرشمال”، المعروف بـ”أسماك الرمال”. ويُعد هذا الكائن من المخلوقات الصحراوية الغريبة والنادرة، إذ لا يظهر إلا خلال موسم قصير من العام (مطلع فصل الصيف)، وفي أوقات محددة من اليوم، ما يضفي عليه طابعا من الغموض والندرة.

ورغم اسمه، لا ينتمي الشرشمال إلى عالم الأسماك، بل هو زاحف يُعرف علميًا باسم (Scincus)، ويُسمى عربيًا “السقنقور”. غير أن تسميته بـ”سمك الرمال” لم تأتِ من فراغ؛ فهو يمتلك قدرة مذهلة على “السباحة” داخل الرمال، بانسيابية تحاكي حركة الأسماك في الماء، في ظاهرة لا تزال تثير فضول الباحثين وعشاق الطبيعة على حد سواء.
وتتعدد أسماؤه بتعدد البيئات التي يحتضنها؛ ففي موريتانيا يُعرف بـ”الشرشمال”، وفي الجزائر “شرشمان”، بينما يسميه أهل الخليج العربي “الدسيسة” و”الدميسة”، في إشارة إلى مهارته الفائقة في الاندساس داخل الرمال والتخفي من الأخطار.
ويصفه أهل الصحراء بأنه كائن وديع، غير سام، يميل إلى الهروب بدل المواجهة، ويشبه في هيئته السحالي أو الوزغ أو الضب، ويُعرف أحيانًا باسم “ثعبان الخيل”. غير أن حضوره لا يقتصر على الطبيعة فقط، بل يمتد إلى ثقافة الإنسان الصحراوي وذاكرته.
ففي شمال موريتانيا وجنوب الجزائر، يعد الشرشمال من الأطعمة التقليدية الضاربة في القدم، ويُعتقد أنه يحمل فوائد غذائية معتبرة. كما يحتل مكانة رمزية في المخيال الشعبي، حيث يضرب به المثل في الترشيد والاقتصاد؛ إذ يقال إنه “يقتات على حبة رمل واحدة”، في تعبير ساخر عن شدة الحرص،(خايف التراب تفرغ) وهي حكاية يتناقلها أهالي شنقيط جيلا بعد جيل.
وبين العلم والأسطورة، وبين الحاجة والتقاليد، يظل الشرشمال أكثر من مجرد كائن صحراوي؛ إنه شاهد حي على قدرة الحياة على التكيف في أقسى البيئات، ورمز من رموز الصحراء التي لا تكف عن إبهار من يقترب من أسرارها.
باباه ولد عابدين

