أحمد الحظاري
مدينة الأفاعي
بكل شبر من أرضنا تجلس أفعى.
هذا ما أخبرني به حكيم المدينة حينما رأى خطواتي متسارعة دون توقف.
ولكي يبدد حيرتي، همس قائلا:
كل الأفاعي هنا تؤجل إسماع المارة فحيحها. فحتى صوت احتكاك جلدها بخَشاش الأرض وهي تزحف ببطء، تخفيه عنهم.
عمَّ صمت رهيب بالمكان، ثم أردف قائلا:
إنها تحب أن تنتزع حياتك في غفلة منك!.
لا أخفيكم أني انزعجت من كلام الحكيم، ومع ذلك لم أنسحب من مكاني الذي كنت أقف فيه.
ترددت في طرح أسئلة كثيرة راودتني. لقد كنت أحاول ترتيبها في ذهني حسب الأولوية، خشية أن ينصرف قبل أن أظفر بجواب.
لكنّه اختفى…فازداد قلقي.
لم يسعفني إلا سؤال ألقيته عليه بصوت مبحوح، حين كان يقف أمامي بشموخ:
لماذا تكاثرت الأفاعي في هذه المدينة التي يتغنى بها تراثنا الشعبي؟
ومع ذلك لم أتلق جوابَه!
لكني كنت أعلم أن الأفاعي أنواع..وأنها ليست كلها سامة.. تماما كما أعلم أن أكثرها قاتل. فالتي لا تسقيك سُمّا، قد تقتلك خنقا حين تلتف على جسدك قبل أن تلتهمك.
بعد همس الحكيم، صرت شديد الحذر في مشيي، وارتفعت عندي حاسة توقع الخطر. وسكنتني الهواجس، حتى خفت مع كل خطوة أخطوها، أن تمسني أفعى متربصة.
صرخت بأعلى صوتي أخاطب ساكنة تلك المدينة:
إني لا أزاحمكم مكانا ولا طعاما،
ووقوفي فوق ترابكم ليس إلا نزهة واستكشافا.
ظننت أنهم سيسمعونني…بل سيتفهمونني.
وفجأة ظهرت أفعى كبيرة ذات أجراس، فأسمعتني جَلجَلتها القوية. أطلقت ساقيّ للريح، حتى إذا بلغت أرضا معبَّدة بالإسفلت الصلب، سبق أن انتُزعت انتزاعا من مدينة الأفاعي، عاد روعي.

