العيرج ابراهيم
حينما يُقلب ميزان القيم، ويُصبح العمى فضيلة، ويُتَّهَم البصر بالمرض، ندرك أننا أمام أزمة وعي قبل أن نكون أمام تصرّفات طائشة. ففي مناسبات قارية كبرى، يُفترض أن تكون مرآةً للأخلاق، ورسالة حضارية تعكس رُقيّ الشعوب وقدرتها على الاختلاف باحترام، تطفو على السطح ممارسات دخيلة لا تمتّ للرياضة ولا للإنسانية بصلة، من تخريب ممتلكات الغير، وتمزيق رموز رسمية، والاعتداء على الفضاء العام باسم أفكار متعفنة لم تكن يومًا صالحة للتعامل مع الذات، فكيف يُنتظر منها أن تحسن التعامل مع الآخر؟
إن تخريب الممتلكات، مهما كانت المبررات، ليس تعبيرًا عن موقف ولا دفاعًا عن قضية، بل هو إعلان صريح عن الإفلاس الأخلاقي، ودليل على عجز فكري يُلبس الجهل ثوب الشجاعة، ويمنح التعصب الأعمى صفة “الغيرة” أو “الانتصار”. فهل يُعقل أن نُطالب بالاحترام ونحن أول من يدوس عليه؟ وهل يُمكن أن نُقنع العالم بعدالة أفكارنا ونحن نُقدّم له صورًا مشوهة عن سلوكنا؟
المناسبات القارية ليست ساحات لتصفية الأحقاد، ولا مسارح لتفريغ الكراهية، بل فضاءات للتلاقي، للتعارف، ولإثبات أن الاختلاف لا يفسد للإنسانية قضية. غير أن بعض العقول، التي اعتادت العيش في ظلام الأفكار الجامدة، ترى في كل نجاح للآخر استفزازًا، وفي كل تنظيم محكم مؤامرة، فتختار الهدم بدل الفهم، والعدوان بدل الحوار.
الخطير في الأمر ليس الفعل التخريبي في حد ذاته، بل محاولة تبريره وتسويغه، وكأن العمى الفكري أصبح وعيًا، وكأن البصر الناقد، العاقل، صار خيانة أو ضعفًا. هنا تحديدًا تتحول القيم، ويُكافأ التخلف، ويُحاصَر العقل.
إن التحلي بالأخلاق والاحترام ليس ترفًا ولا شعارًا موسميًا، بل مسؤولية فردية وجماعية. ومن لا يستطيع احترام ذاته، ولا التحكم في انفعالاته، ولا مراجعة أفكاره، لن يكون قادرًا على احترام محيطه، ولن يُنتج سوى مزيد من الفوضى التي لا تخدم إلا أعداء الإنسانية جمعاء.
في زمن أصبحت فيه الصورة رسالة، والسلوك عنوانًا، علينا أن نختار: إما أن نكون جزءًا من الحل، نُعلي من شأن الوعي، ونرفض كل أشكال التخريب والكراهية، أو نستمر في تبرير العمى، واتهام البصر بالمرض… وحينها لن يكون الخراب في الشوارع فقط، بل في العقول قبل كل شيء

