ليس لون البشرة الأفريقية فقط هو ما دفع الرئيس الأمريكي الأسبق ‘باراك أوباما’ إلى الخروج عن تحفظه السياسي المعتاد للدفاع عن النائبة الديمقراطية عن ولاية مينيسوتا ‘إلهان عمر’ (الصومالية الأصل)، والاندفاع في مهاجمة إدارة ترمب “البرتقالية”، بعدما فتشت سلطات المكتب الفيدرالي FBI منزلها في واشنطن وصادرت هاتفها ووثائق (من بينها جواز سفرها الأمريكي في إحدى الروايات) ولاحقت أقاربها، في إطار تحقيقات بشأن أوراق هجرتها وقانونية حصولها على جنسيتها الأمريكية.
‘أوباما’ الذي كان هو نفسه هدفاً لادعاءات ترمب الكاذبة بشأن مكان ميلاده وأهليته القانونية للرئاسة، رأى في القضية ما يتجاوز مصير نائبة -تختلف معها قطاعات واسعة من الأمريكيين في مواقفها السياسية- إلى اختبار عملي لحدود استخدام الدولة أجهزتها القانونية ضد خصوم الرئيس، ورسالة تهديد محتملة لكل مواطن أمريكي بالتجنّس.
ففي بيان تجاوز 400 كلمة نشره أمس على منصة “إكس”، أدان ‘أوباما’ ما وصفه بمحاولة واضحة لترهيب شخصية منتخبة، محذراً من أن يتحول هذا السلوك إلى قاعدة سياسية تتجاوز إلهان عمر إلى أي معارض للبيت الأبيض. وكتب نصًا: “إن استعداد أي رئيس، أو أي إدارة، للانخراط في مثل هذه المحاولات الواضحة لترهيب شخص ما، ينبغي أن يثير غضب جميع الأمريكيين، بغض النظر عن مواقفهم من الآراء السياسية لنائبة الكونغرس”، ثم أضاف: “لأنه إذا أصبح هذا هو الوضع الطبيعي الجديد، فلا يوجد ما يضمن أن يتوقف الأمر عندها، أو أن رؤساء مستقبليين، من أي من الحزبين، لن يفعلوا الشيء نفسه”.
توقيت البيان مهم بقدر مضمونه ونبرته. فإلهان عمر من أبرز منتقدي ترمب داخل الكونغرس الذي تسيطر عليه -حتى الآن- أغلبية جمهورية، وواحدة من الوجوه المعروفة في الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي. كما أن المداهمة وقعت في 12 أكتوبر، قبل أسابيع قليلة من انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر، وهو ما أثار اعتراضات سياسيين ومخاوف لدى خبراء قانونيين من أن تتحول إجراءات التحقيق إلى وسيلة للتأثير في المناخ الانتخابي، حتى قبل أن تتضح الأدلة التي تستند إليها السلطات.
وفي ذلك السياق، أشار تقرير صحيفة ‘واشنطن بوست’ إلى أن وزارة العدل الأمريكية درجت تاريخياً على “تجنب الإجراءات العلنية الحساسة سياسياً في الأسابيع السابقة للانتخابات، وفق ما يُعرف إعلامياً بقاعدة الستين يوماً”، وإن كانت هذه القاعدة عرفاً مؤسسياً وليست قانوناً ملزماً.
لكن لماذا اختار ‘أوباما’ هذه القضية تحديداً في شن حملة انتقاد “غير مباشرة” لإدارة ترمب الجمهورية؟
الإجابة الأعمق تتصل بتجربته الشخصية مع حملة التشكيك في الجنسية، وبطبيعة السابقة التي يخشى أن ترسخها القضية، وبالتنافس السياسي على تعريف المواطنة الأمريكية نفسها.
أوباما، المولود لأب كيني مسلم، يعرف هذه اللعبة القذرة من مطبخها، وكان أحد ضحاياها. ففي عام 2008، وقبل انتخابه رئيساً، بدأت تنتشر ادعاءات تزعم أنه لم يولد في الولايات المتحدة، وأنه لا يستوفي شرط الجنسية الذي يفرضه الدستور على الرئيس. وبالرغم من تقديمه وثائق رسمية تثبت مولده في هاواي، واصل ترمب آنذاك حملته الإعلامية للتشكيك في جنسيته لسنوات، حتى بعدما فاز باكتساح في الانتخابات الرئاسية ودخل البيت الأبيض.
لم تكن تلك الحملة مجرد جدل حول شهادة ميلاد؛ بل شككت في “انتماء وولاء” أول رئيس أسود للولايات المتحدة، وحاولت تحويل هويته الشخصية وأصوله الأفريقية إلى نقطة ضعف سياسية دائمة. ولهذا يصعب فصل موقفه الحالي من قضية ‘إلهان عمر’ عن تجربته مع ما عُرف بحركة “بيرثر” Birther Movement، التي جعلت التشكيك في شرعية أوباما السياسية -بسبب مولده- جزءاً من الاستقطاب الشعبي الأمريكي.
لكن ثمة فارقاً قانونياً مهماً بين القضيتين: أوباما مواطن أمريكي بالولادة، بينما وُلدت إلهان عمر في الصومال وحصلت على الجنسية الأمريكية بالتجنّس عام 2000، من خلال والدها الذي جاء “لاجئًا” إلى الولايات المتحدة عام 1995، وتشير السجلات إلى أنها كانت في السابعة عشرة من عمرها.
ويتركز التحقيق الحالي على ادعاء أن عمرها الحقيقي كان أكبر بعام، وأنها ربما لم تكن مؤهلة لاكتساب الجنسية تلقائياً من خلال تجنّس والدها إذا كانت قد تجاوزت السن القانونية المحددة. وتبحث السلطات أيضاً في احتمال وجود معلومات غير صحيحة في أوراق الهجرة القديمة التي قدمتها الأسرة، وهي ادعاءات قيد التحقيق لم تُعلن السلطات حتى الآن أدلة علنية تحسمها.
واللافت أنها ليست المرة الأولى التي تُثار هذه الاتهامات ضد النائبة الديمقراطية. إذ حققت السلطات عام 2019 في ادعاءات مشابهة تتعلق بتاريخ ميلاد ‘إلهان’ وأوراق هجرة والدها، ولم يجد مسؤولو الهجرة آنذاك “أدلة كافية” لفتح تحقيق رسمي أوسع.
هذا السياق الزمني هو ما يمنح اعتراض ‘أوباما’ وجاهته القانونية ووزنه السياسي. فالرئيس الأسبق لا يطالب بمنح ‘إلهان عمر’ حصانة من التحقيق لمجرد أنها نائبة ديمقراطية، بل يعترض على احتمال استخدام سلطة التحقيق الجنائي في قضية قديمة سبق فحصها، ضد خصم سياسي بارز، في توقيت انتخابي شديد الحساسية.
ويزداد هذا القلق مع ما نشرته ‘وول ستريت جورنال’ مؤخرًا -نقلًا عن مسؤولين من إدارة ترمب- بأن السلطات الأمريكية تسعى إلى “بناء قضية” يمكن أن تفضي إلى “سحب الجنسية من إلهان وترحيلها” (إلى الصومال طبعا).
وهنا تظهر دلالة “الرسالة” لدى ملايين الأمريكيين الذين اكتسبوا جنسيتهم بالتجنّس. إذ حذّر خبراء قانونيون، في تحليل نشرته ‘واشنطن بوست’، من أن استهداف نائبة منتخبة بهذه الطريقة قد يبعث برسالة تخويف إلى المواطنين المتجنّسين، مفادها أن وضعهم القانوني يمكن أن يعود فجأة إلى دائرة الشك إذا دخلوا في صدام سياسي مع السلطة.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية إضافية فيما ىتعلق بقضية ‘إلهان عمر’، لأن مكتب المدعية العامة الفيدرالية ‘جانين بيرو’ أعلن أيضاً النظر في الإقرارات المالية للنائبة، رغم أن هيئة رقابية في الكونغرس كانت قد أوصت الشهر الماضي برفض ادعاءات سوء السلوك المتعلقة بهذه الإفصاحات.
قد لا يعني “تزامن” التحقيقين بالضرورة أنهما جزء من “خطة سياسية” واحدة، لكنه يفسر لماذا يرى النواب الديمقراطيون في تراكم الإجراءات ضد زميلتهم محاولة لإغراقها في دوامات الدفاع القانوني والتشكيك السياسي قبل انتخابات التجديد النصفي، بغرض التأثير على أصوات الناخبين.
بقلم : هاني الكونيسي


