في تصريح لا يخلو من محاولة تملّص من المسؤولية، خرج عبد الله كاريم رئيس المجلس الإقليمي لآسفي قبل قليل ليعلن أن ميزانية المجلس تقلصت من 25 مليون درهم إلى 5 ملايين فقط، مستجدياً التعاطف وملمحاً إلى “أزمة مالية خانقة”. غير أن هذه الرواية لم تعد تقنع أحداً داخل الإقليم، بعدما تبيّن أن ما يصفه بالأزمة ليس سوى حصاد سنوات من العبث في التدبير، وتوجيه المال العام لخدمة أجندات سياسية وحزبية ضيقة، بدل الاستثمار في التنمية الحقيقية التي ينتظرها المواطنون.
فالحديث عن نقص الميزانية يتناسَى عمداً تورّط الرئيس في توزيع غير عادل للمشاريع، وتركيزها بشكل فاضح في جماعات يديرها منتخبون تابعون لحزبه وجهات أخرى تدور في فلكه، وإقصاء جماعات أخرى حُرمت عمداً من حقها في التنمية. هذه السياسة المبنية على الولاء الحزبي حوّلت المجلس الإقليمي إلى غرفة عمليات انتخابية، بدل مؤسسة تنموية تُعنى بالشأن العام. ولعلّ ما زاد الفضيحة وضوحاً هو استمرار رئيس المجلس في استغلال آخر ميزانية لمحاولة التحكم في الجماعات الترابية وضبط الخريطة الانتخابية لصالح حزبه، قبل أن تتدخل وزارة الداخلية بيقظة عالية لتقليم أظافره وقطع الطريق أمام مخططاته.
ولا تقف الاتهامات عند هذا الحد، فكاريم محاط بسلسلة من الفضائح التي تفضح ارتجاله وتهاونه. مشروع كورنيش برج أمونب تحوّل إلى ورش معلق يلتهم الزمن بلا أثر على الأرض، أما ساكنة جزولة فمحرومة منذ 2018 من توسعة وتقوية طريق رئيسية بسبب تنصل رئيس المجلس من التزاماته أمام وزارة التجهيز والنقل واللوجستيك حتى لا يحسب هذا المشروع لحكومة العدالة والتنمية، في مشهد لا يعكس سوى غياب تام للمسؤولية سرعان ما تم الافراج عن هذا الورش في الآونة الأخيرة لحسابات سياسية ضيقة
وفي الوقت الذي يتباكى فيه رئيس المجلس على “الأزمة المالية”، يذكّر كثيرون بأنه هو من قاد المؤسسة إلى هذا الوضع، وأن تقارير المفتشية العامة لوزارة الداخلية لم تأتِ من فراغ، بل جاءت بعد رصد اختلالات خطيرة في التدبير، وتلاعب محتمل في توجيه الموارد. لذلك لم يكن غريباً أن تتخذ وزارة الداخلية قرار تقليص الميزانية الذي وُصف بضربة موجعة قَطعت شريان المناورة السياسية التي كان يمارسها كاريم.
وحتى خارج أسوار المجلس الإقليمي، لا يختلف المشهد كثيراً. فحزب الأصالة والمعاصرة الذي يمثل الإقليم بثلاثة برلمانيين، والذي يقود التحالف الحكومي والتدبير الترابي إلى جانب حزبي الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار، فشل فشلاً ذريعاً في جلب مشاريع حكومية كبرى لآسفي، أو تقوية جاذبيتها الاقتصادية، أو تحسين جودة عيش ساكنتها. حصيلة هزيلة لا ترتقي لوعودهم الانتخابية، ولا تعكس حجم تمثيلهم ولا نفوذهم المفترض داخل الحكومة.
ها نحن اليوم على مشارف نهاية ولاية هذه الحكومة، فيما لا تزال ساكنة آسفي تكتوي بسياسات لا اجتماعية أرهقت جيوب المواطنين ولم تُنتج أي تنمية تُذكر. وحتى مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقبلة، ما يزال الحديث قائماً حول ضمان نزاهة العملية واحترام الإرادة الحرة للناخبين، خلافاً لما شهدته انتخابات 2021 التي عرفت تغوّل المال والنفوذ، وتحكماً سافراً في اختيارات المواطنين.
فما يحدث في آسفي وغيرها من الأقاليم هو نتيجة مباشرة لتحالف سياسي فقد البوصلة، ومجلس إقليمي غرق في الحسابات الصغيرة، ورئيس اعتقد أن الناس يمكن أن تنطلي عليهم سردية “الأزمة المالية” بينما الوقائع تفضحه. وما ينتظره أبناء الإقليم هو مساءلة حقيقية وربط المسؤولية بالمحاسبة، لإعادة توجيه دفة العمل الترابي نحو المصلحة العامة بدل صراع الكراسي.

