في مشهد لا يزال راسخًا في ذاكرة أهل طانطان، يقف ضريح الولي الصالح الشيخ محمد لغظف شاهداً على انطلاقات موسم طانطان الأولى، حين كان للحدث روح ترتبط بعمق بثقافة الرحل وموروثهم الأصيل. هذا المكان التاريخي، الذي مثّل مركز إشعاع روحي وثقافي، سرعان ما جرى تجاوزه بعدما تقرر نقل الموسم إلى مكانه الحالي بجماعة بن خليل، في ما بات يُعرف اليوم بـ”ساحة السلم والتسامح”.
المعطيات التي حصلت عليها جريدة “صحراء نيوز” تكشف أن القرار لم يكن وليد مشاورات موسعة، بل نتيجة لاجتماع ترأسه عامل الإقليم الأسبق، محمد جلموس، مع رؤساء الجماعات، حيث طُلب منهم اقتراح مواقع لتنظيم الموسم، وتم تنظيم جولة ميدانية شملت مختلف الجماعات، لتنتهي بزيارة إلى بن خليل، التي أبدى العامل إعجابه بفضائها المفتوح. وبحسب مصادر الجريدة، فإن المسؤول الإقليمي كان قد حسم رأيه مسبقاً، فيما بدا أن المنتخبين بلعوا الطعم، دون أدنى حس أو غيرة على الثقافة الأصلية للرحل أو على الموروث المجتمعي للمدشر.
في خضم هذه التحولات، تتعالى أصوات في الشارع المحلي تربط بين صمت المنتخبين واستفادتهم من بقع أرضية شاسعة، تصل إلى 1000 و2000 متر، وُزعت تحت لافتة “الاستثمار”، وسط شبهات تتعلق بتفويتات مشبوهة في الحي الصناعي والمدخل الشمالي للمدينة. ووسط هذا المشهد، تغيب روح الموسم التي كانت تحضر بقوة حين كانت العمالة تشرف على تنظيم الحدث، إذ تشهد الذاكرة المحلية أن النسخ القديمة كانت أكثر تنظيمًا وتعبيراً عن هوية المنطقة، مقارنة بما يُقدم اليوم تحت غطاء “مؤسسة موسم طانطان”.
في وقت تُشير فيه تقارير دولية من منظمات كـ”كيتين مونيوس” واليونسكو إلى فقدان الموسم لروحه، تتزايد الدعوات لإعادة تقييم شامل لهذا الموروث الثقافي. وإذا كان هناك من إصلاح منتظر، فلا بد أن ينطلق من إعادة الموسم إلى مكانه الأصلي، وضمان احتضانه لأنشطته التقليدية الحقيقية، بعيدًا عن عقلية الصفقات والغنيمة، وبما يكرس إشراك الإنسان المحلي في تثمين تراثه، والاحتفاء به بكرامة، لا من خلال التوظيف السياسي ولا تصفية الحسابات.

