يستعد إقليم طانطان، جنوب المغرب، لاحتضان النسخة 18 من موسم طانطان الدولي في الفترة الممتدة ما بين 14 و18 ماي 2025، وسط أجواء من الترقب والتساؤل حول مدى قدرة هذا الحدث الثقافي على تجاوز الإكراهات التنظيمية واللوجستيكية التي ظلت تؤرق القائمين عليه منذ سنوات. الموسم، المصنف من قبل اليونسكو كتراث شفهي ولامادي للإنسانية، يظل محطة أساسية لإبراز العمق الثقافي للحسانية وطقوس وعادات القبائل الصحراوية، في تظاهرة تجمع بين سحر الأصالة وروح الحداثة.
ورغم الطابع الثقافي البارز للموسم، فإن الرهان الاقتصادي يظل حاضرًا بقوة، إذ يعوّل الإقليم على هذه التظاهرة لتنشيط مختلف القطاعات التجارية والسياحية. وتشير المعطيات إلى انتعاش مؤقت تعرفه المدينة خلال أيام الموسم، حيث تصل نسبة ملء الفنادق إلى أكثر من 90%، فيما تشهد الأنشطة التجارية والخدماتية حركة غير مسبوقة. غير أن عددًا من المتتبعين يرون أن هذا الرواج ظرفي ولايرقى إلى إحداث تغيير هيكلي أو تنمية اقتصادية مستدامة، حيث عبّر أحد الفاعلين المحليين عن خيبة أمل من محدودية الأثر قائلا: “الموسم يمنح دفعة مؤقتة، لكن واقع البطالة وضعف الاستثمار يبقى مستمرًا دون حلول جذرية.”
من جهة أخرى، تتكرر كل عام تحديات تنظيمية تؤثر على جودة الحدث، إذ تواجه اللجنة المنظمة صعوبات حقيقية في تهيئة الفضاءات الملائمة وتنظيم تدفق الزوار. وتتعقد هذه الإكراهات بسبب ضعف البنية التحتية وغياب شبكة نقل فعالة تربط المدينة بباقي الجهات، ما يعرقل الوصول السلس للمشاركين ويحدّ من توسيع قاعدة الجمهور. أما على المستوى الإعلامي، فيسود انطباع عام بأن الموسم لم ينجح بعد في تسويق نفسه بالشكل الذي يتناسب مع أهميته الدولية. فبالرغم من الزخم الثقافي والاعتراف العالمي، تبقى التغطية الإعلامية متواضعة وغير كافية لتوسيع إشعاع الموسم خارجيًا.
ومما يزيد الوضع تعقيدًا، دخول مؤسسة موسم طانطان في أزمة تواصل حادة مع المؤسسات الإعلامية المحلية، خاصة بعد تعيين مسؤولة جديدة خلفًا للسيدة حنان، الخبيرة في التراث الثقافي والمنتمية إلى قبيلة الرحامنة. هذا التغيير قوبل بمقاطعة واضحة من كبريات المؤسسات الإعلامية المحلية وعلى رأسها جريدة “صحراء نيوز”، وهو ما اعتُبر من قبل المهنيين “تحصيل حاصل” نتيجة غياب أي شراكات أو تعاقدات رسمية مع الصحافة المحلية، في وقت تتطلب فيه الدبلوماسية الثقافية بناء جسور الثقة وتعزيز التواصل مع الإعلام لضمان تسويق ناجح للموروث اللامادي.
تُطرح اليوم أسئلة جوهرية حول قدرة المؤسسة المشرفة على الموسم على تحقيق أهدافها في ظل فشلها في بناء علاقات متينة مع الإعلام المحلي، وعجزها عن إيجاد استراتيجية تواصلية فعالة. كيف يمكن لمؤسسة تعيش صراعات داخلية وتبادلًا للاتهامات مع السلطة الإقليمية أن تسوّق الموسم عالميًا وتستقطب استثمارات حقيقية؟ وكيف لموسم يقام تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله ألا يتوفر على مقر أو حتى هاتف رسمي؟ أسئلة حارقة تعكس حجم الاختلالات التي يعيشها الموسم.
في هذا السياق، يواصل المسؤول الإقليمي الجديد التزام الصمت، مكتفيًا بفتح أبواب العمالة أمام بعض المنتخبين والمتقاعدين دون اتخاذ أي خطوة ملموسة لإعادة جسور الثقة مع الجسم الصحفي، ولم يبادر إلى عقد أي لقاء تواصلي مع الصحافة المهنية رغم حساسية الظرفية.
وسط هذه التحديات، يبقى موسم طانطان الدولي مناسبة ثقافية كبرى لكنها مهددة بفقدان بريقها إذا استمرت الإخفاقات نفسها ولم تُتّخذ إجراءات عاجلة لإصلاح الأعطاب البنيوية في التنظيم والتواصل.

