في فاتح ماي من كل عام، تخرج الطبقة العاملة المغربية إلى الشارع لترفع شعاراتها وتُجدد آمالها في مستقبل أفضل. لكنّ مشهد الاحتجاجات هذه السنة لا يمكن فصله عن واقع اقتصادي واجتماعي بالغ الهشاشة، تُعاني فيه فئات واسعة من التهميش والفقر، ويزداد فيه منسوب الإحباط نتيجة التراجعات المتكررة في المكتسبات، والنكوص المقلق في المسار الديمقراطي والمؤسساتي.
صحة متردية ونظام منهك
رغم الخطاب الرسمي عن “أوراش كبرى لإصلاح الصحة”، ما زال القطاع يعاني من خصاص مهول في الأطر والمعدات. يبلغ معدل الأطباء في المغرب أقل من 1.7 طبيب لكل 1,000 مواطن، مقابل المعدل العالمي الذي يتجاوز 3 أطباء. المستشفيات العمومية، خصوصاً في القرى والهوامش، تعاني من ضعف التجهيزات، وافتقارها لأبسط شروط الاستشفاء الكريم. والمواطن المغربي، في كثير من الحالات، مجبر على “شراء” العلاج من جيبه، مما يرهق كاهله بفاتورة لا يقدر عليها.
مدرسة عمومية في حالة احتضار
في قطاع التعليم، الواقع لا يقل قتامة. أكثر من 300 ألف تلميذ يغادرون المدرسة سنويًا، فيما تشتكي الأسر من الاكتظاظ ونقص الجودة، وسط لجوء الدولة إلى التوظيف بالعقدة الذي أفرز وضعية غير مستقرة لآلاف الأساتذة. وبحسب إحصاءات رسمية، فإن نحو 70% من التلاميذ لا يُجيدون القراءة والكتابة بشكل جيد عند وصولهم إلى المستوى الإعدادي، ما يعكس عمق الأزمة البنيوية التي تعاني منها المدرسة العمومية.
سوق شغل مُنهك واستثمار خجول
يعاني المغرب من ارتفاع البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات العليا، حيث تجاوزت النسبة 19% وفق أرقام المندوبية السامية للتخطيط. أما مناصب الشغل المحدثة، فهي في الغالب هشّة ومؤقتة. قطاع الاستثمار، رغم الحملات الدعائية، يعيش أزمة ثقة، تتجلى في إفلاس أكثر من 12 ألف مقاولة خلال سنة 2024 فقط، أغلبها صغيرة ومتوسطة، والتي تُعتبر العمود الفقري لأي نسيج اقتصادي حيوي.
القدرة الشرائية تحت الضغط
تتآكل القدرة الشرائية للمواطنين بشكل يومي، بفعل ارتفاع الأسعار وتجميد الأجور. سجلت أسعار المواد الغذائية الأساسية ارتفاعات تجاوزت في بعض الأحيان 40% خلال عام واحد، دون إجراءات جادة من الحكومة لكبح جماح المضاربة والاحتكار. في المقابل، يبقى الحد الأدنى للأجور ضعيفًا، لا يوازي أبسط متطلبات العيش الكريم، فيما تتآكل رواتب الطبقة المتوسطة بشكل يجعلها أقرب إلى دائرة الفقر.
الفئات الهشة.. غياب تام للعدالة الاجتماعية
من المؤسف أن تتجاهل السياسات العمومية الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع. المتقاعدون، الذين أفنوا أعمارهم في خدمة البلاد، يتقاضى بعضهم معاشات تقل عن 1,000 درهم شهريًا، لا تكفي حتى لشراء الأدوية. أما ذوو الاحتياجات الخاصة، فغالبًا ما يُتركون لمصيرهم في ظل ضعف إدماجهم في التعليم والشغل والحماية الاجتماعية، رغم ما يُرفع من شعارات “العدالة الاجتماعية والمساواة”.
الحاجة إلى تعاقد اجتماعي جديد
اليوم، لا تكفي الخطب الرسمية للاحتفال بعيد الشغل. المطلوب هو وقفة حقيقية لتقييم السياسات العمومية، ووضع الإنسان المغربي في قلب المعادلة. لا تنمية دون عدالة اجتماعية، ولا استقرار دون كرامة للمواطن. وإذا كانت الحكومات تتحدث عن “نموذج تنموي جديد”، فإن اختباره الحقيقي يبدأ من تحسين أوضاع الشغيلة، وتوفير تعليم جيد، وخدمات صحية لائقة، وفرص عمل كريمة، وضمانات ديمقراطية تُحترم فيها كرامة الإنسان.

