يستعد حزب العدالة والتنمية لعقد مؤتمره الوطني التاسع يومي السبت والأحد 26 و27 أبريل الجاري بمدينة بوزنيقة، في حدث يُعدّ محطة مفصلية في مسار الحزب السياسي بعد سنوات من التحديات التنظيمية والسياسية. ورغم التماطل المزعوم من وزارة الداخلية في صرف الاعتمادات المالية المخصصة لتنظيم المؤتمر، أظهر أعضاء الحزب ومتعاطفوه روحاً تضامنية استثنائية، حيث تكاتفوا لتمويل هذا الحدث الضخم من جيوبهم الخاصة، مؤكدين التزامهم بقيم الحزب وطموحه لاستعادة دوره الريادي في المشهد السياسي المغربي. في الوقت ذاته، أثار قرار الحزب بدعوة حركة المقاومة الإسلامية “حماس” لحضور المؤتمر جدلاً واسعاً، حيث يرى مناوئو الحزب في هذه الخطوة تهديداً للأمن القومي، بينما يعتبرها الحزب تعبيراً عن التزامه بالقضية الفلسطينية.
التضامن المالي.. إرادة القواعد تتحدى القيود
أكد عبد الإله بن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، في تصريحات له خلال اجتماع الأمانة العامة الأخير قبل المؤتمر، أن الحزب لم يتوصل بالدعم المالي القانوني المستحق من وزارة الداخلية، مما وضع اللجنة التحضيرية أمام تحديات لوجستية كبيرة. وقال بنكيران: “ما زلنا ننتظر حق حزبنا في الدعم من وزارة الداخلية، وأدعو عموم أعضاء الحزب إلى المساهمة المالية لتمويل المؤتمر”. هذه الدعوة لاقت استجابة واسعة من أعضاء الحزب ومتعاطفيه، حيث ساهم المناضلون من مختلف جهات المغرب بمبالغ مالية، وإن كانت رمزية في بعض الأحيان، لضمان إنجاح هذا الحدث الذي يُتوقع أن يشارك فيه ما بين 1500 و1600 مؤتمر.
بهاء الدين أكدي، رئيس لجنة المالية واللوجستيك باللجنة التحضيرية، أوضح أن الميزانية المقترحة للمؤتمر تمت صياغتها في ظل انخفاض الموارد المالية للحزب بعد تراجع تمثيله البرلماني في انتخابات 2021. وأضاف: “لجنة المالية عملت على أربع مهام رئيسية، منها تعبئة الموارد الذاتية من خلال مساهمات الأعضاء، مما يعكس روح التضامن والالتزام التي تميز حزبنا”. هذه المساهمات لم تقتصر على الدعم المالي، بل امتدت إلى تقديم خدمات لوجستية وتنظيمية من قبل المتطوعين، مما ساهم في تخفيف الأعباء عن اللجنة التحضيرية بقيادة إدريس الأزمي الإدريسي.
دعوة حماس.. جدل سياسي وتأكيد على المواقف
أثارت دعوة حزب العدالة والتنمية لحركة المقاومة الإسلامية “حماس” لحضور المؤتمر، والتي سيقودها الناطق الرسمي باسم الحركة فوزي برهوم، ردود فعل متباينة. وصفت مصادر من الحزب هذه الخطوة بأنها “شرف كبير”، مؤكدة التزام الحزب بدعم القضية الفلسطينية. في المقابل، هاجمت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان ومحاربة الفساد هذا القرار، وطالبت وزارة الداخلية بمنع تنظيم المؤتمر، معتبرة أن حضور حماس يمثل “تهديداً للسيادة المغربية ومساساً بالأمن القومي”. كما عبرت المنظمة عن رفضها لصرف منحة مالية قدرها 130 مليون سنتيم لفائدة الحزب، واصفة إياه بـ”حزب أقلية لا يملك تمثيلية سياسية”.
رد بن كيران على هذه الانتقادات بقوة، واصفاً المطالبين بمنع المؤتمر بـ”قليلي الحياء”، وطالب وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت بالتحقيق معهم. وقال: “حماس بنضالها واستشهاد قيادييها استطاعت أن تقلب معادلة القضية الفلسطينية، ولن تتخلى الأمة عنها”. من جهته، أكد مصطفى إبراهيمي، النائب البرلماني عن الحزب، أن هذه الدعوات “مردود عليها”، مشيراً إلى أن الحزب “مرتبط بالقضية الفلسطينية كما هو مرتبط بالقضية الوطنية”.
توجس المناوئين.. خوف من عودة المصباح
يعكس الجدل المثار حول دعوة حماس توجس مناوئي الحزب من نجاح المؤتمر وما قد يمثله من انطلاقة جديدة لـ”المصباح”. يرى عبد الصمد حيكر، نائب رئيس المجموعة النيابية للحزب، أن “التناول الإعلامي للمؤتمر يعكس مكانته وأهميته في الحقلين السياسي والمجتمعي”. وأضاف أن الحزب، رغم التحديات، “أريد له أن يمحى من المشهد السياسي، لكنه أثبت صموده بفضل وحدة قواعده وإيمانها بمشروعه الإصلاحي”.
عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية، شدد على أن المؤتمر ليس مجرد محطة لتغيير القيادة، بل فرصة “لاسترجاع المكانة التي كان الحزب يحتلها في المشهد السياسي المغربي”. هذا الطموح يثير قلق المنافسين، خاصة مع الشعبية التي يحظى بها بنكيران وقدرته على تعبئة القواعد. إدريس الأزمي أكد أن المؤتمر سيكون “عرساً ديمقراطياً”، مشيراً إلى أن التحضيرات تمت بمنهجية تشاركية استمرت لأشهر، مما يعزز ثقة الحزب في قدرته على تجاوز التحديات.
أخيرا.. المؤتمر كرمز للصمود
يبرز المؤتمر الوطني التاسع لحزب العدالة والتنمية كدليل على قوة إرادة أعضائه ومتعاطفيه، الذين تحدوا القيود المالية والضغوط السياسية لإنجاح هذا الحدث. من خلال مساهماتهم المالية والتنظيمية، أثبتوا أن الحزب ليس مجرد هيكل سياسي، بل حركة شعبية متجذرة في المجتمع المغربي. في الوقت نفسه، فإن دعوة حماس، رغم الجدل المثار، تعكس التزام الحزب بمواقفه المبدئية، مما يعزز صورته كصوت قوي في دعم القضايا العادلة. وسط توجس المناوئين، يبقى السؤال إذن الذي يطرح نفسه بشدة إذا ما سيكون هذا المؤتمر بداية عودة قوية لـ”المصباح” إلى صدارة المشهد السياسي، الإجابة ستتضح في الأيام المقبلة، لكن ما هو مؤكد هو أن روح التضامن والصمود التي أظهرها أعضاء الحزب ستظل الركيزة الأساسية لمستقبله.

