عبد النبي اعنيكر
شهدت الساحة السياسية بجماعة آسفي سلسلة من التحولات والتوترات التي ألقت بظلالها على المشهد المحلي، خاصة في ظل تفاعل ثلاثة أحزاب رئيسية: حزب الاستقلال، حزب العدالة والتنمية، وحزب الأصالة والمعاصرة. هذه الأحزاب، التي تمثل أقطابًا بارزة في الساحة السياسية الوطنية، عكست تحالفاتها وصراعاتها في المدينة صورة عن تعقيدات المشهد الحزبي بالمغرب.
حزب الاستقلال: تناقضات داخلية وتحالفات مربكة
حزب الاستقلال في آسفي وجد نفسه وسط عاصفة من الانتقادات والتحولات. البداية كانت عندما تمكن الحزب، رغم حصوله على المرتبة الثالثة في انتخابات 2021، من انتزاع رئاسة المجلس من حزب الأصالة والمعاصرة. لكن هذا الإنجاز لم يدم طويلًا، إذ أعاد الحزب لاحقًا الرئاسة إلى الأصالة والمعاصرة يوم الجمعة 22 نونبر 2024، في خطوة اعتُبرت “تنازلًا طوعيًا”، أثار العديد من التساؤلات حول خلفياته.
قرار الحزب أثار غضب قواعده وقياداته، خاصة بعد أن أُتهم بذبح تجربته السياسية في آسفي، على غرار ما حدث مع “كموش”، الرئيس السابق الذي واجه انتقادات لاذعة من داخل الحزب، ليُختتم الأمر بتهميشه واختيار قيادات جديدة في محاولة لاستعادة الهيبة السياسية.
رغم ذلك، بدا أن حزب الاستقلال عجز عن تقديم رؤية واضحة لإدارة الجماعة، ما دفع بعض المتابعين إلى اعتبار هندسة لائحة الحزب وقراراته التفاوضية أخطاء فادحة ستكلفه كثيرًا في المستقبل. هذا الوضع يعكس تناقضًا داخليًا بين طموح الحزب للحفاظ على الرئاسة وواقعه السياسي الذي فرض عليه التنازل.
حزب العدالة والتنمية: المعارضة الحازمة والانتقاد الصريح
على النقيض، اختار حزب العدالة والتنمية موقع المعارضة الحازمة في المجلس الجماعي بآسفي. مستشارو الحزب صوتوا بـ”لا” ضد المرشح الوحيد للرئاسة، في خطوة تعكس استياءً عميقًا من أداء التحالف الحكومي المحلي.
الحزب اعتبر أن المكتب السابق للمجلس، الذي كان يتألف من أحزاب الأغلبية، تسبب في انتشار مظاهر الفساد وتراجع الخدمات الأساسية، ما أدى إلى حالة من “الارتباك وعدم الانسجام”. هذا الموقف عبّر عنه بلاغ الكتابة المحلية للحزب، الذي أكد أن استمرار نهج المحاصصة السياسية سيُفاقم الأوضاع ويُعيق التنمية.
العدالة والتنمية دعا إلى تبني نموذج جديد للإدارة يعتمد على الكفاءة والشفافية، محذرًا من غياب المحاسبة والمراقبة، ومشددًا على أهمية إعادة النظر في أساليب إدارة الشأن المحلي.
حزب الأصالة والمعاصرة: استعادة الرئاسة وتحديات الإدارة
حزب الأصالة والمعاصرة، الذي خسر رئاسة المجلس في 2021 لصالح حزب الاستقلال، تمكن من استعادتها في نونبر 2024 بصفقة سياسية أعادت خلط الأوراق. رغم تحقيق هذا الهدف، يواجه الحزب تحديات كبيرة في إثبات جدارته بإدارة المدينة وسط الانتقادات الموجهة له باعتباره “رمزًا للفساد الانتخابي” من قبل بعض الأطراف السياسية.
عودة الحزب للرئاسة وضعت على عاتقه مسؤولية كبيرة لتحسين الأوضاع في آسفي، لكن الخلافات بين الأحزاب المشكلة للتحالف الحكومي المحلي قد تُعقد المهمة.
الصراع السياسي بين التحالف والمعارضة: إلى أين؟
المشهد السياسي في آسفي يعكس صراعًا حادًا بين التحالف الحكومي بقيادة الأصالة والمعاصرة والاستقلال، والمعارضة المتمثلة في العدالة والتنمية. المعارضة تبنت خطابًا نقديًا واضحًا، معتبرة أن التحالف الحالي يفتقر إلى الرؤية والكفاءة، في حين حاولت الأغلبية استعراض مرونة سياسية من خلال التحالفات، وإن بدا ذلك على حساب استقرارها الداخلي.
في النهاية، يُظهر هذا الوضع هشاشة الفعل الحزبي المحلي، إذ باتت التحالفات مؤقتة وغير قادرة على تقديم حلول حقيقية للتنمية. بينما يصر حزب العدالة والتنمية على دوره كمعارض صريح، يبقى على حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال مسؤولية تجاوز خلافاتهما الداخلية والعمل على تحقيق تطلعات الساكنة بعيدًا عن المصالح الضيقة.
فهل ستتمكن هذه الأحزاب من تجاوز خلافاتها وتقديم نموذج حقيقي للحكامة الجيدة؟ أم أن الوضع سيظل رهين الصراعات والتنازلات التي تُعيق أي تطور ملموس في جماعة آسفي؟

