في مقطع فيديو نشرته على حسابها في ‘إنستغرام’ يوم 30 أكتوبر، زعمت الدكتورة ‘لاريسا بورتنوف’ Larissa Portnoff، التي تظهر في السجل المهني لولاية نيويورك بوصفها أخصائية نفسية مرخصة، أنها كانت إحدى ضحايا ترمب في طفولتها ومراهقتها، واصفةً كيف تعرّضت على يديه لأنواع من “الاعتداء والاستغلال الجنسي” منذ أن كانت في الثامنة من عمرها!!
وفي التسجيل الذي انتشر كالنار في هشيم السوشيال ميديا، قالت الشقراء ‘بورتنوف’ نصًا: “كنت واحدة من ضحايا دونالد ترمب من الأطفال، وبدأ ذلك عندما كنت في الثامنة من عمري تقريباً، وازداد الأمر سوءًا عندما أصبحت في العاشرة. ثم استمرت الاعتداءات حتى بلغت الثانية عشرة تقريبا من عمري .. وعندها توقف عن ملاحقتي لفترة.. ثم عاد مرة أخرى عندما كنت مراهقة في السادسة عشرة والسابعة عشرة”.
رواية ‘بورتنوف’ (الواضح من اسمها أصولها الأوروبية الشرقية) لم تقتصر على سرد وقائع استهداف ترمب لها “بطرق استغلالية جنسية متكررة”، بل ذهبت لوصف ما حدث بأنه كان بمثابة “شبكة استغلال للأطفال”، متهمةًً ترمب وأشخاصاً من “دائرته المقربة” inner circle بمواصلة ترهيبها حتى بعد بلوغها سن الرشد، عبر سلوكيات وصفتها بأنها “مسيئة وتشكل استغلالاً جنسياً”.
كما زعمت أن الرئيس حاول التواصل معها عبر شخص وصفته بأنه “وسيط سياسي” political fixer (مصطلح يُطلق عادةً على شخص يتولى معالجة الأمور الحساسة سياسيًا من وراء الستار)، دعاها إلى حضور مباراة لفريق ‘نيويورك يانكيز’ New York Yankees في 11 سبتمبر 2025، ثم إلى “عشاء خاص”، بحسب روايتها.
ولتعزيز روايتها، نشرت ‘بورتنوف’ لاحقاً صورة قالت إنها “لقطة شاشة” Screenshot لمحادثة مع ذلك الوسيط المزعوم.
لكن ما ظهر في الفيديو كشهادة على جريمة من واقع تجربة شخصية، لم يتحول حتى الآن إلى اتهام “رسمي” أمام القضاء الأمريكي. فالمعلومات المنشورة لا تحدد مكان وقوع الاعتداءات المزعومة أو تواريخها الدقيقة، ولا توضح متى أبلغت ‘بورتنوف’ السلطات عنها، أو طبيعة الجهة التي تتولى التحقيق فيها.
وهذه هي النقطة التي توقف عندها موقع Snopes الاستقصائي المتخصص في التحقق من الأخبار الزائفة والتسريبات المتداولة.
إذ أفاد في تقرير نشره بعد انتشار الفيديو، بأنه لم يتمكن من التحقق بصورة مستقلة من اتهامات ‘بورتنوف’ المتعلقة بالاعتداء والاستغلال والترهيب.
لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن ‘بورتنوف’ ذكرت أنها سبق أن قدمت شكواها بدون الإفصاح عن هويتها، مستخدمة الاسم المستعار Jane Doe، الذي يُستخدم في الولايات المتحدة لحماية هوية النساء أو الأشخاص الذين لا يرغبون في الكشف عن أسمائهم في بعض الإجراءات القانونية.
وفي اتهام آخر لا يقل خطورة، قالت ‘بورتنوف’ إن ترمب “سعى بصورة غير قانونية إلى معرفة عنوان منزلها، والوصول إلى سجلات مختومة، بهدف كشف هويتها بعد تقديم الشكوى المجهولة”.
وهنا خاطبته مباشرةً في مقطع الفيديو: “يجب أن تتوقف عن هذا. أنا الآن في الثلاثينيات من عمري. إن قيامك بهذا معي على مدى ثلاثة عقود أمر غير إنساني”.
في المقابل، نفت المتحدثة باسم البيت الأبيض ‘لورين بيس’ Lauren Bis تلك الاتهامات، وقالت في إيميل إلى موقع Snopes يوم 2 نوفمبر: “هذه اتهامات كاذبة وتشهيرية. الرئيس ترمب لم يلتقِ بهذه المرأة قط، ولم يسمع بها حتى. ومن الواضح أن هذه محاولة من الديمقراطيين لصرف الانتباه عن أجندتهم الاشتراكية الكارثية”.
لكن الموقع الاستقصائي لم يكتفِ بنقل الاتهام والنفي، بل تواصل مع الشاهدة أو الضحية المزعومة ‘بورتنوف’ للحصول على معلومات إضافية بشأن توقيت الاعتداءات والجهات التي أبلغتها، كما طلب تعليقاً من ‘إيلون ماسك’ عبر شركة SpaceX، بشأن اتهامها له ولأشخاص آخرين بمحاولة الاقتراب منها ومن صديقاتها بصورة متكررة. إلا أن الموقع لم يتلق ردوداً على طلباته أو أسئلته حتى اللحظة!!
اللافت أن ‘لاريسا بورتنوف’ أعلنت في منشور آخر أنها تعمل حاليًا على إعداد كتاب عن “طفلة كانت ملكة جمال في عام 1996″، يحمل عنوان “جين دو” Jane Doe(الاسم المستعار الذي استخدمته في شكواها القانونية المزعومة).
كما وضعت إشارة إلى صفحة مسابقة ملكة جمال مراهقات الولايات المتحدة Miss Teen USA، وهي جزء من مسابقات “ملكة جمال الكون” Miss Universe التي كان ينظمها دونالد ترمب بعد الاستحواذ عليها بالشراكة مع NBC عام 1996، وظل مالكًا لها حتى عام 2015.
لكن النقطة المحيّرة زمنيًا في كلام ‘ بورتنوف’؛ أنه إذا كانت في الثامنة عام 1996، فإن عمرها في 2026 سيكون نحو 38 عاماً، وهو ما يتسق حسابياً مع أنها الآن في الثلاثينيات، لكنه لا يفسر كيف يمكن أن تكون مؤهلة للمشاركة في مسابقة للمراهقات في العام ذاته!!
أما المفارقة الزمنية الأهم، فهي أن اتهامات ‘بورتنوف’ للرئيس بالاعتداء الجنسي جاءت بعد بضعة أيام فقط من نشر الديمقراطيين في لجنة الشؤون القضائية بمجلس النواب الأميركي تقريراً جديداً عن خبايا علاقة ترمب بالملياردير المدان بجرائم جنسية ‘جيفري إبستين’، ودعوتهم إلى فتح تحقيق مستقل في تورطه معه في شبكة استغلال القٌاصرات والاتجار بالبشر.
التقرير، الذي نشره فريق الديمقراطيين يوم 26 أكتوبرالماضي، حمل عنوان “لدينا أشياء مشتركة يا جيفري”We Have Certain Things in Common, Jeffrey، استند إلى مقابلات خاصة وشهادات 11 امرأة، وسجلات أُفرج عنها -بموجب قانون الشفافية- من مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI (لم تُنشر سابقًا)، وتضمن خمس روايات تتهم ترمب مباشرة بالاغتصاب أو الاعتداء الجنسي، في حضور ‘إبستين’ أو بترتيب منه، أو من شريكته ‘غيسلين ماكسويل’ (المسجونة حاليا بعد إدانتها).
ومن بين تلك الأسماء ملكة الجمال السويسرية السابقة ‘بياتريس كول’ Beatrice Keul، التي قالت إن ترمب اغتصبها في جناح بفندق بلازا في نيويورك خلال مسابقة American Dream Pageant “ملكة جمال الحلم الأمريكي” في نوفمبر 1993، بعدما استدرجها بوعود مساعدتها في الحصول على تأشيرة وقبول في جامعة نيويورك.
وتكمن أهمية القصة في تشابهها -في بعض الجوانب- مع الظروف التي أوقعت ‘بورتنوف’ في براثن ترمب وأصدقائه .. من بوابة مسابقات ملكات الجمال.
ولننتظر ما الذي سيفعله الديمقراطيون بعد إحكامهم القبضة على الكونغرس (بمجلسيه النواب والشيوخ) في ملفات ترمب الإبستينية!


