العيرج ابراهيم:
في قلب كل بيت مغربي، وعلى طاولة كل أسرة تسعى لتوفير القوت اليومي، يتردد أخيرًا صدى صامت لكنه ثقيل؛ صدى الأرقام المتصاعدة في لوحات محطات الوقود. لم يعد ارتفاع أسعار البنزين والغازوال مجرد مسألة يناقشها الخبراء في المكاتب المكيفة، بل تحول إلى مقصلة غير مرئية تحز ببطء في القدرة الشرائية لعموم الشعب. ففي بلد يعتمد بنسبة شبه مطلقة على النقل البري لتأمين أمنه الغذائي واللوجستي، يغدو لتر الوقود هو المايسترو المحرك لكل الأسعار، من حبة الطماطم في أقصى منطقة، إلى تذكرة الحافلة التي تقل العامل إلى مصنعه والموظف إلى مكتبه.
إن الخطورة الكبرى لهذا الارتفاع المتواصل لا تكمن في كلفة ملء خزان السيارة الخاصة فحسب، فذلك مقدور عليه أو يمكن الاستغناء عنه باللجوء إلى وسائط أخرى، بل تكمن في آثاره المباشرة والتراكمية التي تطال الطبقات الهشة والوسطى دون استثناء. الغازوال هو شريان الحياة للشاحنات التي تجوب الطرق في المدن و الأرياف لنقل الخضراوات والفواكه والبضائع؛ وكل زيادة في ثمنه تترجم فورًا إلى تضخم يتجرعه المستهلك النهائي عند البائع. هنا تبدأ المعاناة الحقيقية؛ حيث تضطر الأسرة المغربية إلى إعادة ترتيب أولوياتها الحياتية القسرية، فتتراجع ميزانيات الترفيه والتطبب والتعليم لصالح التغذية الأساسية، مما يتسبب في انكماش متواصل للطبقة المتوسطة، التي طالما شكلت صمام الأمان والدرع الواقي للاستقرار المجتمعي.
وعند النظر إلى خلفيات هذه الأزمة بنظرة نقدية جادة، نجد أن معضلة الوقود في المغرب تتجاوز مجرد انعكاس لتقلبات أسواق النفط العالمية. لقد أبان قرار تحرير أسعار المحروقات عن اختلالات هيكلية عميقة؛ إذ تُركت السوق المحلية تحت رحمة أرباب التوزيع ودون آليات ضبط صارمة تحمي المواطن الأعزل من الجشع أو التواطؤ غير المعلن على السعر. فالمواطن البسيط يلمس بوضوح مفارقة عجيبة، عندما ترتفع أسعار البرميل عالميًا تسارع المحطات إلى عكس الزيادة في التو واللحظة، لكن عندما تنخفض الأسعار في الأسواق الدولية، يأتي التراجع الوطني بطيئًا ومتواضعًا قطرة بقطرة. يرافق هذا الوضع استمرار تعطيل خيار إعادة تشغيل مصفاة النفط الوطنية لاسامير، وهو القرار الذي يحرم البلاد من درع التكرير والتخزين الاستراتيجي الذي كان بإمكانه امتصاص الصدمات العالمية وتقليل كلفة الاستيراد.
كما أن الحلول الجزئية التي قُدمت، كتقديم دعم المباشر لفئات من المهنيين، ظلت بمثابة مسكنات موقتة تضغط على المالية العمومية دون أن يلامس أثرها المباشر جيب المواطن في نهاية المطاف. إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب جرأة سياسية واقتصادية تتجاوز منطق الترقيع، بدءًا من تسقيف هوامش أرباح شركات التوزيع ومراجعة الضغط الضريبي المطبق على المواد البترولية في أوقات الأزمات، وصولاً إلى تفعيل أدوار الرقابة والمنافسة الشريفة. إن المحروقات ليست مجرد سلعة استهلاكية تخضع لمنطق العرض والطلب الجاف، بل هي عصب الأمن الاجتماعي، والمساس المستمر بها هو مساس مباشر بالسلم والاستقرار اليومي للمواطن المغربي.
