بقلم: العيرج ابراهيم
في مشهد أعاد إلى الأذهان مشاهد سابقة هزّت الرأي العام الوطني والدولي، توافد آلاف المغاربة، أغلبهم من الشباب، نحو معبر باب سبتة، في محاولة لعبور الحدود نحو المدينة المحتلة. وبين من اعتبر الأمر مجرد موجة جديدة من الهجرة غير النظامية، ومن رآه تعبيراً عن أزمة اجتماعية خانقة، يبقى السؤال الجوهري: لماذا يخاطر كل هؤلاء بمستقبلهم وحياتهم؟
اقتصاديا، فارتفاع معدلات البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، إلى جانب غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، جعلت شريحة واسعة تشعر بأن المستقبل أصبح أكثر غموضاً.
كما أن مدن الشمال، وعلى رأسها الفنيدق والمضيق، لم تستعد بعد عافيتها الاقتصادية منذ إغلاق التهريب المعيشي، الذي كان يوفر مورد رزق لآلاف الأسر، وهو ما خلق فراغاً اقتصادياً لم تستطع المشاريع البديلة امتصاصه بالكامل.
اجتماعيا، فإن الأمر لا يتعلق بالفقر وحده، بل أيضاً بالإحساس بالإحباط و فقدان الثقة و بالتالي بانسداد الأفق . فالشباب الذي يتابع يومياً عبر منصات التواصل الاجتماعي صور الحياة في أوروبا، يقارنها بواقعه، فينشأ لديه اعتقاد بأن الضفة الأخرى توفر فرصاً أفضل، حتى وإن كان الطريق إليها محفوفاً بالمخاطر.
وهكذا تتحول الهجرة من مشروع اقتصادي إلى حلم نفسي واجتماعي، تغذيه الرغبة في الهروب من الإحباط أكثر مما يغذيه البحث عن المال.
سياسيا… حيث يشكل الحدث تحديا للسياسات العمومية وتشكل رسالة قوية إلى صناع القرار، مفادها أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية لا تزال بحاجة إلى مزيد من الفعالية والعدالة المجالية.
فمعالجة الظاهرة من الزاوية الأمنية وحدها قد تحد من آثارها الآنية، لكنها لا تعالج جذورها. إذ إن الاستثمار في التشغيل، والتعليم، والتكوين، والتنمية المحلية يظل السبيل الأكثر استدامة للحد من تكرار مثل هذه المشاهد.
أما جيوستراتيجيا، فلا يمكن قراءة ما يحدث بمعزل عن الموقع الاستراتيجي لمدينة سبتة المحتلة، التي تشكل إحدى أهم بوابات الاتحاد الأوروبي نحو إفريقيا، وفي الوقت نفسه تعد تاريخيا جزءاً من التراب الوطني المغربي ،وتحظى المنطقة بحساسية كبيرة في العلاقات المغربية الإسبانية، كما أنها تمثل محوراً أساسياً في التعاون الأمني ومراقبة الهجرة بين الرباط ومدريد والاتحاد الأوروبي. ولذلك فإن أي ضغط بشري على هذا المعبر يكتسب أبعاداً تتجاوز الحدود المحلية، ليصبح ملفاً إقليمياً ودولياً.
فمن الخطأ إذن ا اختزال توجه آلاف الشباب نحو باب سبتة في وصف واحد، أو اعتبارهم جميعاً مدفوعين بالسبب نفسه. فلكل واحد منهم قصة مختلفة، لكن القاسم المشترك بينهم هو البحث عن فرصة يعتقدون أنها أصبحت بعيدة المنال داخل الوطن.
إن ما جرى ينبغي أن يُقرأ باعتباره مؤشراً اجتماعياً يستدعي نقاشاً وطنياً هادئاً ومسؤولاً، يوازن بين احترام القانون، وصيانة الأمن، والاستجابة لتطلعات الشباب في الشغل والكرامة والعدالة الاجتماعية.
فحين يصبح عبور الحدود حلماً جماعياً، فإن السؤال الحقيقي لا يكون: كيف نمنع الناس من العبور؟ بل كيف نجعلهم يؤمنون بأن مستقبلهم يمكن أن يُبنى داخل وطنهم.

