صحراء نيوز – بقلم ذ: منصور الشيخ
تتجلى إشكالية التدبير الحضري بمدينة اسا في الفجوة الواضحة بين الإكراهات المناخية البنيوية وبين نموذج التهيئة المعتمد؛ حيث يفتقر التدبير الحضري المحلي لآليات المقاومة المناخية كالبنية التحتية الخضراء والمساحات المظللة والمنشآت المائية التلطيفية، فيتحوّل المركز الحضري بالإقليم إلى شبه جزيرة حرارية طاردة خلال فصل الصيف، مما يكرس ظاهرة النزوح الموسمي للسكان نحو المراكز المجاورة أو الساحلية بحثاً عن الراحة المناخية. هذا النزوح لا يشكل مجرد رحيل عابر، بل هو نزيف اقتصادي واجتماعي يعطل الدورة الإنتاجية المحلية ويُحدث ارتباكاً في سير المرافق العمومية التي صُممت لمواجهة طلب سكان قارّين.
فقرار النزوح لساكنة المدينة ليس اختيارْ بل يخضع لنوع من الجبرية المناخية او ما يمكن ان نسميه بسيكولوجية الهروب والبحث عن الراحة، وهي آلية سلوكية دفاعية ضد الإجهاد البيئي، حولت المدينة في ذهن الساكنة من ملاذ آمن إلى مصدر للتوتر الفيزيولوجي. شعور ولد رغبة جماعية في الانعتاق من المجال، يصبح معه الرحيل السلوك العقلاني الوحيد المتاح أمام غياب بدائل تلطيفية محلية. هنا نصبح أمام حالة من الفراغ المجالي تؤثر سلباً على المتمسكين بالبقاء. سلوكياً عندما يرى الفرد تدهور الخدمات الحضرية وإغلاق المحلات التجارية (الركود) يتولد لديه شعور بـالدونية المجالية، مما يُضعف لديه الهوية الترابية ويجعل الارتباط بالمجال ارتباطاً نفعياً مؤقتا، بدلاً من أن يكون ارتباطاً استيطانياً مستداماً. وضعٌ يبقي العائلات دائما في حالة طوارئ مالية تدخلها في نوع من التقشف الادخاري قبيل الصيف لتأمين مصاريف النزوح. هذا السلوك الاقتصادي ينعكس على تجفيف السيولة المحلية قبل الرحيل الفعلي بشهور، مما يدخل المدينة في ركود استباقي. اما الاستثمار في السكن الرئيسي فيجعل الفرد يميل سلوكياً إلى عدم تحسينه أو تزيينه إذ يعتبره محطة مؤقتة لا توفر له الراحة في أصعب فصول السنة. وبالتالي تتحول أحياء مدينة آسا تدريجياً إلى ما يشبه السكن الوظيفي يغيب فيها الاهتمام بالجماليات الخارجية والتشجير المنزلي، وطلاء الواجهات وكثرة البنايات غير المكتملة؛ لأن الساكن ينظر لبيته كـمأوى شتوي فقط. مما يفرز مشهداً حضرياً باهتاً مشوها يعزز الشعور “بـالمؤقت” ويطرد أي إمكانية لجذب استثمارات خارجية أو سياحية. اما على مستوى الرأسمال الاجتماعي فالنزوح الموسمي يقطع خيوط التفاعل الاجتماعي المستمر؛ فالمدينة التي تفرغ من سكانها تفقِد ذاكرتها اليومية وعلاقات الجوار القوية. هذا التقطع يولد جيلاً من الشباب يشعر بـالغربة المكانية، حيث لا يرتبط بمدينته إلا في لحظات الركود، بينما يرتبط بـمدينة أخرى في لحظات الفرح والاستجمام.
تبدأ العائلات في آسا بالشعور بالقلق منذ شهر مارس وهو ما يقودنا الى ما يمكن ان نسميه (متلازمة القلق المناخي الاستباقي) يتحول الصيف فيها من فصل زمني إلى تهديد وجودي، مما ينعكس على الإنتاجية المهنية بتشتت التركيز الذهني للموظف والتاجر بسبب التفكير في تكاليف الرحيل وتأمين السكن في الوجهة القادمة. ناهيك عن التأثير النفسي فالشعور الاضطراري للنزوح يولد إحساساً بـالهزيمة أمام الطبيعة، مما يعزز مفهوم الدونية المجالية، والإحساس بالحرمان من حق التمتع بالمدينة صيفاً.
إن ما تعيشه مدينة اسا ليست نتاج صدفة أو عامل مناخي منعزل، بل هي نتاج تراكمي لاختلالات بنيوية ووظيفية تغذي بعضها البعض في حلقة مفرغة تبدأ من اعتماد نماذج تهيئة مستوردة لا تراعي خصوصية الإقليم شبه الجاف من خلال التركيز على تراكم كتل خرسانية وشوارع اسفلتية مع غياب شبه تام للفضاءات الخضراء؛ التراكم هنا يظهر في شكل مدينة بدون هوية يجعل البقاء فيها صيفاً عبئاً جسدياً ونفسياً. ويقودنا الى ثقافة الاستقرار المهزوزة كل سنة. إضافة الى ترحيل الادخار المحلي نحو المدن المجاورة، مما يمنع تراكم الرأسمال داخل المدينة. هذا النزيف المتكرر (العام تلو الآخر) يمنع إطلاق مشاريع تجارية دائمة نتيجة الشعور بعدم الاستقرار صيفاً، وهو ما يكرس حالة الركود الهيكلي.
ختاما فالوضعية التنموية الراهنة بإقليم آسا الزاك لا يمكن اختزالها في قسوة المناخ فحسب، بل هي تجسيد مادي لتراكمات تاريخية من التدبير التنموي الذي أخفق في هندسة نموذج يحوّل المدينة الى فضاء للإنتاج والاستقرار بدل تبني الساكنة استراتيجيات الانسحاب الموسمي التي ترهن أي محاولة للإقلاع التنموي الحقيقي.

