العيرج ابراهيم : صحراء نيوز
في عالم كرة القدم، قد تُغفر الهزيمة، ويُنسى سوء الأداء، لكن ما لا يُغتفر هو أن تتحول المستطيلات الخضراء إلى مسرح للحسابات الباردة التي تقتل روح المنافسة.
المباراة التي جمعت الجزائر والنمسا في مونديال 2026 لم تترك وراءها مجرد نتيجة مثيرة، بل خلفت سيلاً من علامات الاستفهام. ملايين المشاهدين خرجوا بانطباع واحد: كرة القدم لم تكن الرابح الأكبر في تلك الليلة، بل الحسابات الضيقة.
قد لا توجد أدلة قانونية تثبت وجود اتفاق مسبق، وقد يكون كل ما حدث مجرد تزامن غريب للأحداث، لكن كرة القدم لا تُحاكم فقط بالنصوص، بل أيضاً بصورة اللعبة أمام جماهيرها. وعندما يصبح التعادل هو النتيجة المثالية للطرفين، وتتحول الدقائق الأخيرة إلى مادة خصبة للتأويل، فإن أول الضحايا هي الثقة في نزاهة المنافسة.
المفارقة الساخرة أن الجزائر، التي ظلت لعقود ترفع راية “فضيحة خيخون” سنة 1982 باعتبارها ضحية تواطؤ تاريخي بين ألمانيا الغربية والنمسا، وجدت نفسها اليوم في قلب جدل جديد مع المنتخب النمساوي نفسه. وكأن التاريخ أراد أن يطرح سؤالاً مؤلماً: هل من ذاق مرارة الظلم يمكن أن يقبل أن تحوم حوله الشبهات ذاتها؟
الرياضة لا تحتاج إلى إثباتات قضائية كي تخسر صورتها. يكفي أن يشك الجمهور، وأن تتصدر عناوين الصحف كلمات مثل “التواطؤ” و”الترتيب” و”النتيجة المريحة”، حتى تكون كرة القدم قد تلقت ضربة موجعة.
إن أكبر الخاسرين من هذه الضجة ليس منتخباً بعينه، بل أخلاق اللعبة نفسها. فالمونديال وُجد ليكافئ الشجاعة، لا الحسابات؛ وليصنع المجد، لا السيناريوهات التي تجعل الجماهير تتساءل إن كانت تشاهد مباراة أم معادلة رياضية.
قد تثبت الأيام أن كل ما حدث كان مجرد مباراة مجنونة، وقد يبقى الأمر مجرد شكوك. لكن المؤكد أن المشهد فتح باباً واسعاً للنقاش حول عدالة بعض صيغ التأهل، وحول ضرورة أن تبقى كرة القدم لعبة تُحسم في الملعب بالإصرار، لا بحسابات المصلحة.
فالانتصارات التي تُولد من الشجاعة تُخلّد في الذاكرة، أما تلك التي تُحاط بالريبة، فإنها تبقى دائماً ناقصة… مهما حملت من بطاقات عبور.

