العيرج ابراهيم: لصحراء نيوز
في مشهد يجمع بين السخرية والأسى، تحولت إحدى البالوعات المتضررة وسط الطريق قرب الملعب البلدي بمدينة بايت ملول إلى ما يشبه “معرضاً فنياً مفتوحاً” أبطاله مواطنون بسطاء اضطروا إلى القيام بما كان يفترض أن تقوم به الجهات المختصة منذ زمن.
فبعد أن تعرض غطاء البالوعة للكسر، تاركاً فجوة خطيرة تهدد مستعملي الطريق من سائقين وراكبي دراجات ونارية وراجلين، لم يجد المواطنون وسيلة لتنبيه المارة سوى وضع قطعة إسمنتية فوق المكان الخطير، وإلباسها سترة عاكسة للضوء، في محاولة بدائية ولكنها مسؤولة لتفادي وقوع حوادث قد تكون عواقبها وخيمة.
المثير للاستغراب أن هذه “العلامة التحذيرية الشعبية” ظلت في مكانها لأزيد من أسبوع، وفق ما أفاد به عدد من المواطنين، دون أن تحرك الجهات المعنية ساكناً، وكأن الأمر يتعلق بتفصيل ثانوي لا يستحق التدخل، رغم أن الحديث هنا يتعلق مباشرة بأمن وسلامة المواطنين.
إن الصورة الملتقطة من عين المكان لا توثق فقط لوجود بالوعة مكسورة، بل توثق قبل ذلك لغياب التفاعل والنجاعة في تدبير المرافق العمومية. فحين يصبح المواطن هو من يكتشف الخطر، ويحذر منه، ويؤمن محيطه بوسائل بدائية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: أين المصالح التقنية؟ وأين آليات المراقبة والصيانة والتدخل السريع؟
لقد تحولت السترة الصفراء المعلقة فوق قطعة الإسمنت إلى رمز صارخ لمفارقة مؤلمة: مواطنون يؤدون واجبهم المدني، وإدارة تبدو وكأنها في عطلة مفتوحة عن واجباتها الأساسية. بل إن هذه “المنشأة الفنية” التي أبدعتها الضرورة يمكن اعتبارها شهادة حية على أن حس المسؤولية لدى المواطنين أصبح في بعض الأحيان أكبر من حس المسؤولية لدى بعض الجهات المفترض فيها حماية الفضاء العام.
ولا يحتاج الأمر إلى كثير من التحليل لإدراك حجم الخطر. فحفرة صغيرة في غطاء بالوعة قد تكون كافية لإسقاط دراجة نارية، أو إتلاف عجلة سيارة، أو التسبب في إصابة أحد المارة، خصوصاً خلال الليل أو في ظروف الرؤية المحدودة. وعند وقوع ما لا تحمد عقباه، ستبدأ التحقيقات والبيانات وتبادل المسؤوليات، بينما كان بالإمكان تفادي كل ذلك بتدخل بسيط لا يستغرق سوى دقائق.
إن الجماعة الحضرية لبايت ملول مدعوة اليوم إلى تحمل مسؤولياتها كاملة، ليس فقط بإصلاح هذا الغطاء في أقرب الآجال، بل أيضاً بفتح تحقيق حول أسباب استمرار هذا الخطر لأكثر من أسبوع دون معالجة، ومراجعة منظومة التتبع والصيانة التي يفترض أن ترصد مثل هذه الاختلالات قبل أن يرصدها المواطنون بعدسات هواتفهم.
فالمدن لا تقاس فقط بعدد المشاريع الكبرى التي تُعلن في المناسبات، وإنما أيضاً بقدرتها على معالجة التفاصيل الصغيرة التي تحمي أرواح الناس وتحفظ كرامتهم. أما أن يتحول حجر وسترة عاكسة إلى بديل مؤقت للمؤسسات، فذلك مؤشر لا يدعو إلى الارتياح بقدر ما يدعو إلى دق ناقوس الإنذار.
وأمام هذا التقاعس المستمر، وجب التذكير بأن حماية المواطن لنفسه وممتلكاته لا تتوقف عند حدود الابتكار البدائي لتفادي الخطر، بل تمتد إلى سلك المساطر القانونية والقضائية التي يكفلها القانون. فحين تتسبب مثل هذه الاختلالات في أضرار مادية للسيارات أو الدراجات، أو أضرار جسدية للمارة، فإن للمواطن المتضرر كامل الحق في الاستعانة بمفوض قضائي على الفور لمعاينة مكان الحادث وتحرير محضر رسمي يوثق حالة البالوعة ومحيطها بالدليل القاطع
ويبقى الأمل قائماً في أن تصل هذه الرسالة إلى من يهمهم الأمر، قبل أن تتحول هذه البالوعة من مجرد خطر محتمل إلى خبر مؤسف كان بالإمكان تفاديه.

