باسم الوفاء لتضحيات الآباء والأجداد، وباسم المقاومين الذين سقطوا دفاعًا عن الأرض والكرامة، وباسم الأجيال التي ما زالت تحمل في وجدانها ذاكرة التحرير، يحق لنا اليوم أن نتساءل بقلق وحسرة: ماذا حدث لذاكرة قبائل أيت باعمران؟ ولماذا أصبح الاحتفال بأحد أهم الأحداث الوطنية في تاريخ المنطقة يفقد معناه عامًا بعد عام؟
لقد ظل يوم 30 يونيو، منذ سنة 1969، ولعقود طويلة، موعدًا سنويًا راسخًا في وجدان قبائل أيت باعمران، ليس باعتباره مناسبة إدارية عابرة، بل باعتباره عيدًا للحرية وذكرى لاسترجاع مدينة سيدي إفني إلى حضن الوطن، بعد أن حسمت البندقية والرصاص مصير بوادي أيت باعمران خلال انتفاضة 23 نونبر المجيدة.
وكانت القبائل تتوافد من مختلف مناطق أيت باعمران ومن مختلف ربوع المملكة، كما كان أبناء الجالية المغربية بالخارج يحرصون على الحضور والمشاركة في هذه المناسبة التي تجمع بين الذاكرة الوطنية والهوية المحلية.
وشكّل الموسم التجاري، على امتداد سنوات طويلة، فضاءً اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا متميزًا، ترتفع خلاله الأعلام الوطنية، ويُستقبل المقاومون وسط الزغاريد والتكريم اللائق بتضحياتهم. كما كانت ساحة المطار “لابياسون” تحتضن عروض الفروسية التقليدية “التبوريدة” التي تعكس عمق الثقافة المحلية وارتباطها برمزية البارود والمقاومة، قبل أن تنطلق في المساء سهرات فنية وتراثية تحييها فرق المنطقة، من أحواش والعواد وإسمكان وغيرها من الفنون والأهازيج المحلية، بمشاركة فنانين حافظوا على الموروث الموسيقي والثقافي لأيت باعمران.
غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا مقلقًا. فقد اختُزل الاحتفال في لقاءات داخل قاعات مغلقة يحضرها عدد محدود من المدعوين، يطغى عليها الطابع البروتوكولي الذي أفقد المناسبة جزءًا كبيرًا من طعمها ورمزيتها، بينما تم ترحيل الموسم التجاري وعروض التبوريدة والأنشطة الشعبية إلى مواعيد أخرى خلال شهري يوليوز وغشت، في انفصال واضح عن التاريخ والرمزية اللذين ارتبطا بذكرى 30 يونيو.
ولم يعد الأمر يتعلق فقط بتغيير موعد أو برنامج، بل أصبح يمس جوهر الذاكرة الجماعية لقبائل أيت باعمران. كما لا يمكن تجاهل المسؤولية التاريخية والأخلاقية لبعض أبناء المنطقة ونخبها الذين ساهموا، عن وعي أو عن غير وعي، في هذا التحول الخطير، دون استحضار القيمة التاريخية والرمزية لهذا الحدث الوطني. فالتقاليد التي كانت توحد القبائل وتربط الأجيال بتاريخها النضالي بدأت تتراجع أمام مقاربات مناسباتية يغلب عليها الطابع الإداري والحسابات الضيقة.
وقد عبّر عدد من أفراد الجالية المغربية المنحدرين من المنطقة، خلال لقاءات السنة الماضية مع بعض المسؤولين والمنتخبين، عن استغرابهم الشديد لما آلت إليه الأوضاع، وأبدوا قلقهم من تراجع المكانة الرمزية لهذه الذكرى، ومن تنصل العديد من المنتخبين من مسؤولياتهم التاريخية والأخلاقية تجاه هذا الإرث المشترك.
لقد أصبح كل شيء، في نظر الكثيرين، يُقاس بمنطق الانتخابات وعدد الأصوات والحسابات السياسية الآنية، بينما يُترك تاريخ المنطقة ونضالاتها جانبًا، وكأن تضحيات المقاومين لم تعد تستحق ما كانت تحظى به من اهتمام وتقدير. وليس من المقبول أن نرى مسؤولًا أو منتخبًا أو حتى وزيرًا من أبناء المنطقة يحرص على حضور المناسبات الاجتماعية الخاصة داخل الإقليم، بينما يغيب عن مناسبة تاريخية ووطنية بحجم ذكرى استرجاع الإقليم إلى حضيرة الوطن.
وفي المقابل، أكد السيد عامل الإقليم، خلال لقاء سابق مع بعض أبناء المنطقة من أفراد الجالية المغربية، أن تصحيح هذا الوضع يظل ضرورة ملحة، وأن الحفاظ على التاريخ البطولي للمنطقة المرتبط باسترجاع مدينة سيدي إفني يمثل أولوية لا يمكن التفريط فيها، باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الذاكرة الوطنية للمملكة.
إن الأمل يظل قائمًا في أن تكون هذه السنة بداية حقيقية لإعادة الأمور إلى نصابها، وإعادة الاعتبار للاحتفال بتاريخ 30 يونيو بكل أبعاده الوطنية والشعبية والثقافية، عبر إحياء الموسم التجاري في موعده التاريخي، وإعادة التبوريدة والاحتفالات التراثية، وتكريم المقاومين تكريمًا يليق بأمجادهم وتضحياتهم، وإشراك المجتمع المدني وأبناء المنطقة داخل المغرب وخارجه في صيانة هذا الإرث الجماعي والمحافظة عليه.
كما أن الرسالة الموجهة إلى المسؤولين والمنتخبين، وخاصة أبناء المنطقة، واضحة وصريحة: إن الانتخابات تدوم خمس سنوات، أما الوطن فباقٍ، والتاريخ لا يموت، والذاكرة الجماعية ليست ملكًا لجيل أو مسؤول أو منتخب أو مؤسسة، بل هي حق للأجيال القادمة.
إن 30 يونيو ليس مجرد تاريخ في التقويم، ولا مناسبة بروتوكولية داخل قاعة مغلقة، بل هو موعد مع الوفاء والشرف والكرامة، وذكرى لتضحيات رجال ونساء قدموا الكثير حتى تعود سيدي إفني إلى حضن الوطن.
فالتاريخ الذي كُتب بالدماء لا يجوز أن يُختزل في كلمات رسمية، والذاكرة التي صنعتها تضحيات الرجال والنساء لا ينبغي أن تُؤجل أو تُرحّل أو تُفرغ من مضمونها.
ويبقى الأمل معقودًا على أن تستعيد قبائل أيت باعمران مكانتها التاريخية، وأن تُمنح الكفاءات والأطر من أبنائها الفرصة للمساهمة في تنمية الإقليم وخدمته، وأن يعود 30 يونيو كما كان دائمًا: عيدًا للذاكرة، واحتفالًا بالوفاء، وتجديدًا للعهد مع الوطن وقيم المواطنة الحقة مصداقا لفول الله عز وجل في الآية 55 من سورة الذاريات (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) صدق الله العظيم.
عمر بنعليات

