تغرب الشمس خلف الكثبان الذهبية على حي بدوي مترامي الأطراف. خيم من الوبر والصوف تتناثر كجزر في بحر من رمال، ورائحة اللبن والعبس مع أزيز قدور “العيش” على النار.
في هذا الحي، لا يعرفون غير الإبل والضان والماعز. الرجال يمضون نهارهم بحثاً عن الكلأ والماء، والفتيان يكبرون على ظهور الجمال قبل أن يعرفوا اسم الله الذي خلقهم. والبنات تعلمن منذ نعومة أظافرهن أن الغاية من وجودهن زوج ثم أولاد، دون أن يسألوا لماذا.
أما عن السماء، فلا يسألون إلا رجلاً يأتيهم في الخريف. حين تعلن أول سحابة موسمها، يطل وجهه الأسمر من بعيد، تتأرجح في عنقه مسبحة كبيرة سوداء تترامى فيها حبات من العقيق الأحمر والأزرق تُهرع إليه النساء بالذبائح. إنه “الولي”. لا يعرف من كتاب الله حرفاً، لكنه يكتب التمائم ” لحْرٓازْ ، لَكتُوبْ” للعاقر فتحمل، ويعقد حبال النصر، ويحجب المباخر فتمطر السماء. وفي المقابل، يأخذ المال والغنم وما تشتهيه نفسه.
لكن في هذا الحي كان شاب مختلف. كبر وهو يرى أمه تقبل يد ذلك الدجال، وأباه يعطيه آخر ما يملك. وفي صباح أحد الأيام، اختفى.
كانت المحظرة على بعد مئات الأميال. هناك عاش الشاب حياة أخرى. الشيخ هنا كان رجلاً طيباً، لا يلبس إلا مرقعة، لكنه إذا فتح الكتاب نطق الحكمة. (دار لوح في القرآن و واحداً في الفقه) و حفظ الشاب القرآن في أقل من سنة ، ثم جاء يودعه: “يا شيخي، أهلي في خطر، خريفهم على الأبواب.”
نظر الشيخ الورع إلى تلميذه بنظرة حانية لكنها حازمة، وقال: “يا بني، لا تعجل. العلم وحده لا يكفي ما لم تدرس الرزانة والكياسة والحكمة والأخلاق. هناك كتاب اسمه ‘أدب الدنيا والدين’ للماوردي، تجد فيه تفصيلاً عميقاً لكيفية تحلي الإنسان بهذه الصفات في حياته اليومية، بل وتدرس فيه الحيل والفطنة التي تنجيك قبل أن تبدأ. اقرأه أولاً.”
قال الشاب بلهفة: “لا وقت يا شيخي، أمطار الخريف على الأبواب، وشيخهم سيأتي بعد أيام.”
تنهد الشيخ بحسرة، وأدرك أن تلميذه لا يزال غضاً لم ينضج بعد، فودعه ودعا له.
عاد الشاب ليجد الخيمة الكبرى مزدحمة، يتوسطهم شيخهم في أبهة: دراعة من كوماندا چالو، وحولي عشرة أذرع من گارة أنمر، وسروال من أحمد الحمدي، ويجلس على “لِوِيش بز” و مسبحته في يده . تقدم وقال: “هذا دجال.” فتحداه بسؤال عن الطهارة، فأخطأ الدجال ففضحه الشاب. رسم الدجال خطاً على التراب: “ما هذا؟” قال الشاب: “لا أعرف.” ضحك الدجال: “كيف لا تعرف حرف الشين وتجادلني؟” فطرد الجمع الشاب بالحجارة ونفوه.
عاد إلى شيخه منهزماً. قال الشيخ: “قلت لك يا بني لا تعجل. العلم بلا رزانة وكياسة وأخلاق سيف بلا قبضة. لو درست الماوردي كما قلت لك، لعرفت أن الفطنة لا تُقرأ في الكتب وحدها، وأن المواقف تحتاج إلى حكمة قبل حجة. لكن لا بأس، سأنتقم لك. جهز راحلتي.”
وصلوا وقت الظهر. ولما حانت الصلاة، رفض الشيخ الورع أن يتقدم قائلاً: “أمامكم هذا الولي.” فصلى الدجال بالناس، والشيخ الورع وتلميذه خلفه.
لما انتهت الصلاة، كان الشيخ الورع يبكي ويرتجف. قال الشاب: «لماذا تبكي يا شيخي ؟» فرفع الشيخ الورع صوته للجمع: «والله لو تعلمون كم شيخكم هذا ولي! لو أن أحدكم أخذ شعرة من لحيته أو رأسه لدخل الجنة بلا حساب.»
ما أن أنهى كلمته حتى هجم الجمع على الشيخ الدجال، شرعوا في أنْتِيف شعره من لحيته ورأسه وأجفانه، رجالاً ونساءً وأطفالاً، وهو يصرخ: «اتركوني لست ولياً… أنا دجال!» واستمروا في أنْتِيفه، ولم يتركوه حتى نتفوا شعره كله، فصار أصلع” كالشنة”، يجري في الوادي والجمع يركض وراءه.
أما الشيخ الورع وتلميذه فكانا يضحكان. التفت الشيخ إلى الشاب: «رأيت؟ هذه هي الكياسة والفطنة التي كنت أريدك أن تدرسها. الماوردي لم يكتبها من فراغ. العلم وحده لا يكفي، بل تحتاج إلى حكمة ورزانة وأخلاق، وتحتاج إلى فهم النفوس قبل أن تصلحها.»
والآن نقف مع أنفسنا قليلاً: هذه القصة ليست فقط عن دجال ينتف شعره، بل عن كل ذي منصب أو ناشط أو صاحب قرار أو مسؤول معين أو زعيم يملك قضية عادلة لكنه يفتقر إلى الكياسة. إنه كالشاب الذي حفظ القرآن وسقط على خط على التراب: أُقصي لأنه لم يدرس “أدب الدنيا والدين”، فغفل أن الحق وحده لا يكفي، بل يحتاج إلى حكمة تقدمه وفطنة تحميه. والدرس الأعمق أن الشاب لم ينتصر بعلمه ولا بحماسه، بل حين عاد إلى شيخه الحكيم الذي لم يمنحه سلاحاً جديداً، بل علمه كيف يستخدم سلاحه. وفي زمن طغت فيه منصات التواصل، واختلط الناقد بالمهاجم، والمصلح بالهادم، صار الخطر مضاعفاً على مجتمع بدوي لم يعتد القيادة ممن يصرخون بل ممن يحكمون. فليس كل من رفع صوته أهلاً للتوجيه، وليس كل من نقد يملك رؤية، وليس كل من هدم يبني. غير أن تنبيهاً لا يحتمل التأجيل: نقد العيوب ليس نبشاً للقبور، والمحاسبة ليست هدماً للثوابت. لكل مجتمع رموزه وتاريخه، والتحريض عليها لا يصنع إصلاحاً بل قطعاً لأوصال الجماعة. المطلوب كياسة تنقد ولا تهدم، وحكمة تصلح ولا تجرح. كثير من المصلحين فشلوا ليس لأنهم جهلة، بل لأنهم استعجلوا: فمن استعجل سقط، ومن مس مقدسات الناس خسر، ومن افتقد حكيماً يمسك بيديه ضاع. الإصلاح الحقيقي لا يصنعه الصارخون، بل الحكماء الذين يعرفون متى يقولون: “لا تعجل”.

