تلوح في الأفق نهائيات “كأس العالم لكرة القدم”، في نسختها الثالثة والعشرين، وستشهد غياب المنتخب الوطني “المرابطون”، نرجو له حظاً أوفر في المناسبات القادمة …
ولا شك أن لكرة القدم مشاهدةً وممارسةً، في أيامنا هذه، دوراً مهماً في التسلية، والترويح عن النفس، والحفاظ على صحة الأبدان، كما أصبح التميز فيها أحد أهم عوامل التعريف بالبلدان والأوطان، وأقوى أسباب تشكيل وجدان الشعوب وتقوية ثقتها بالنفس، وذلك بصفتها أكثر الرياضات شعبية ومتابعة في عصرنا الحديث …
وفي القديم، لم تكن هذه الرياضة معروفة في بلدنا، وإنما تم التعرف عليها في وقت متأخر مع إرهاصات التمدن وعلامات العصرنة، وخاصة من خلال وسائل الإعلام الحديثة، وإن كانت هذه الرياضة، في شكلها الحديث، ظهرت قديما في أنجلترا، خلال القرون الوسطى، وبالتحديد في عام ألف وستة عشر للميلاد، في غمرة احتفال الإنجليز بإجلاء الدنماركيين عن بلادهم …
قبل التعرف على هذه الرياضة، كانت للموريتانيين رياضاتٌ أخرى، مِن أكثرها شعبية، وأقربها للكُرة الحالية، ما يعرف بلعبة “المقرافَه” أو “القورافَه”، حيث يقوم فريقان، بأيديهم صوالجُ اقتُطِعت بعناية من شجر مناسب، بالتباري في إيصال الكرة الجلدية الدائرية الصغيرة، المعروفة محلياً ب”التّوْدْ” أو “تاڭَ”، إلى الهدف المحدد، من خلال سوقها وقذفها بتلك الصوالج …
وعادة ما يختارون للملعَب مكانا عَراءً مستوياً صلبَ الأرضية، يصيبون فيه مبتغاهم من العدْو والحركة وهدهدةِ الكرة المِسكينة، بدون عوائق أو حواجز …
ومع أني لست مُلماً بتفاصيل قواعد هذه الرياضة، إلا أنها غالباً ما تكون مواجهة بين ناديَين، يتشكل كل واحد منهما من أفراد تقاربت أعمارهم، بحيث ينتسبون إلى نفس “العصر”، وربما حصلت فيها أحلافٌ، فينضم إلى “العَصْرٍ” عَصرٌ آخر، وبالرغم من أن المنافسة في هذه الرياضة مبنية على المُشاحةِ، إلا أنها لا تخلو من مسامحة في بعض جوانبها، وخاصة في عدم اشتراط المساوة في عدد الأفراد بين الفريقَين، وغيابِ العقاب عند ارتكاب ما لو ارتُكِبَ في كرتنا المعاصرة لحُكِم على صاحبه بالمُخالفة، ولأُشْهِرَتْ في وجهه بطاقة صفراءُ أو حمراءُ، ولربما صدرت في حقه إجراءات تأديبية، وقيل له : نعظكَ أن تعود لمثلها إن كنت من المُنتهِين …
وبحكم مكانة هذا الرياضة بين رياضات الزمن القديم، كان لها حضورٌ بارز في الأدب الموريتاني، بشِقَّيهِ الفصيح والحساني. وقد تحصَّل من ذلك لونٌ أدبي ممتع؟، يستحق أن يحظى بالتدوين والتغريد تمهيداً لِإفراده بالتأليف والتحقيق.
مِن ذلك، يقول الشاعر المُفلق محمد بن أَبْنُو بن احميدَن الشقروي، في قطعة جميلة، فَصل فيها فصلاً عَذباً بين “مَا” الناسخة الواقعة في صدر البيت الأول وخبرِها المجرورِ بالباء الزّائدة في البيت الحادي عشر …
لعمركَ ما مقلاءُ عُوِّدَ عُودُها
جِذاب الكُرِينِ النّورِ حين تعودها
أقيمت، وملّت، واستميل ثقافها
على وجهة اليمنى وساغت عنودها
تُخُيِّرَ من دوح من النبع غصنُها
فكانت كما يهوى، ولاحت سعودها
وبالقشر منها نمّقت غير أنّها
يسرّ الفتى إقبالها وصدودها
إذا احرنجم النّادي عليها وقُسِّمَت
وناحت نواحيها، وشبّ وقودها
وجالت بها الفتيان شرقا ومغرباً
وقد خِيفَ فيها أن تُجاز حُدودها
وخاف مُدَهْدِيها عواصي عصيّها
فأيديهمُ تشكو العصيّ جلودها
ترى الكرة انقادت إليها كأنّها
تُقاد، وما إن ثَمّ شيءٌ يقودُها
وفي كلّ مِقلاءٍ ملاقيةٌ لها
كوادحُ ضرب ما تخانُ عهودها
يودّ المباري كسرَها حسدا لها
وكلّ فتى يأتي الكُرينَ حسودها
بِمُجدية شيئا يسود به الفتى
إذا اشتبهت بيضُ المعاني وسودها
وفي النّاس ذؤبانٌ وأُسْدٌ ولم تكنْ
سواسيةً ذؤبانُها وأسودُها
ويقول الشاعر محمذن بن الوالد الديماني في تغطية صحفية ممتعة
تراهمْ على ما كانَ مِنهمْ عشيةً
يَخُبُّونَ نحْوَ القاعِ حولَ المناهلِ
بأيديهمُ بيضُ الهَراوَى كأنَّهمْ
أولُو الحَربِ إلا أنها بالمناصِلِ
لهُم كُرَةٌ فيها التنازُعُ بينهمْ
وكلٌّ لِمَولى نصرهِ غيرُ خاذلِ
يجادلُ بعضاً بعضُهمْ في انتزاعِها
جِلادَ بَنِي الهيجاءِ بينَ القبائلِ
إذا ضربوها بالصوالج حَلَّقتْ
كما حلّق العصفورُ خوفَ الأجادلِ
تَرِنُّ إذا ما أوجعَ الضربُ جِلدَها
دويَّ الغضا أحناهُ هَزُّ الشَّمائلِ
ويقول العلامة الدكتور/ محمد المختار بن إبَّاهْ “بابَ” علماً، في منتهى الجزالة والرصانة، مِن قطعة لا يخفى ما نالها مِن حماس اللعب وحرارة المنافسة :
ولما اجتمعنا للكُرِين عَشيةً
ودافع شِيبَ الضاربين شَبابها
وتاقتْ لها أيدي الرماة مُلاوةً
وقد سُدَّ مِن نحو الفريقَين بابُها
شددتُ لها بين التدافع ضربةً
بمِقلاء يحلو في اليدين انجذابُها
وزِدتُ لها أخرى وأخرى كَمِثلها
فعَزَّ عليهمْ بعدهنَّ انقلابُها
فلما رأوا أن لا احتيالَ لِردِّها
وعوَّضهمْ بالبُعد منها اقترابُها
تَداعَوا غِضاباً بانتدابِ جُموعِهمْ
ولكنْ غرورٌ ما يُريكَ انتدابُها
فلم تُغْنهمْ عِيدانهمْ وعديدُهمْ
وأوجهُهمْ لما تبدَّى اكتئابُها
ومِن ذكرها في الأدب الحساني، يقول لمرابط امحمدْ بن أحمديورَ
نَعْرَفْ عَنْ ڭـوْمِ مَا اتْخَــافْ
مٍنْ حَدْ إِفْــكَـژِْ الكُـورَ
أنَعْرَفْ عَنْ حَدْ اڭبَيلْ شَافْ
إِعْوَيــناَتْ الـمَشْعُورَ
مَا يَنْسَاهُــمْ وِالڭافْ ڭافْ
امْـحَمّــَدْ لَـحْــمَدْ يُــورَ
ومن ذكرها فيه سجالٌ بين اثنين من أحفاده، تكلم كل واحدٌ منهم باسم “العصر” الذي ينتمي إليه. يقول محمد بابَ بن محمذن بابَ – باسم أفراد عصرِ “أولاد دَمْبَ”، وهم أترابُ مِن مجتمع “ابير التورسْ”، وُلد أغلبهم في نهاية النصف الثاني من عشرينات القرن الميلادي المُنصرم – وهو يخاطب منافسيهم المتمثلين في عصرَ “أولاد صَمْبَ” المَولودينَ، في أغلبهم، بدايةَ ذلك العقد، مُشيراً في قوله : “افلانْ افلانْ” و”ذاكْ الحَدْ” إلى شخصيات بعينها من العصر المُقابل غلبت عليها تلك الألقاب في الوسط المحلي جداً، وقوله وَاهَ” كلمة يقولها اللاعب الذي أوصل الكرة للهدف إيذاناً منه بفوز فريقهِ وإعلاماً بنهاية المبارة …
بِلْبَرْكَ وِالـشَّرْكَ تِنْعَدْ
كَژَّاژِْتْ ڭوْمِكْ يَلْنَقْـَصدْ
افلانْ افلانْ أُذَاكْ الحَدْ
مَا فِــيهُمْ وَاحِــدْ يَخْطـَاهَ
مَا ڭامْ ابَيْــبِي وِرَشَّدْ
وِالڭِفَّ تِنْهَزْ اُ”وَاهَ”
فأجابه ڭراي بن أحمد يورَ، باسم عصر “أولاد صمب” المذكور آنفاً، بقوله :
لَحَّكْ لِلْعــــَصْرْ الِّ مَرْدٌودْ
زَيْنْ اغْـــنَاهْ الاَهُ مَجْحُوْدْ
عَنَّ مَا نِبْغُ كَــژْ التَوْدْ
كِنَّ وَكْــتنْ كَژَّيْنَاهَ
يَامِسْ وِصَّــــوَّبْنَ فِالڭَوْدْ
ڭِلْنَ “وَاهَ” وِاغـْــلَــبْنَاهَ
اُلا رَشـَّـدْ فـِــيهَ مِنَّ حَدْ
الاَ فـِـــينَ كَـژَّاژْ اخْطَاهَ
والغَالِبْ لَڭَـامْ ارَشَّدْ
مَـــاهِ شـَــْيـــنَ وِابْـمَعْنَاهَ”
ومع أن هذه اللعبة اختفت في بلادنا، فإني كنتُ اطلعتُ على ما يفيد أنها ما زالت تُمارس في مدينة “امْحامِيدْ الغِزلانْ”، الواقعة في أقصى شرق المملكة المغربية، والتي يتواجد فيها مجتمع من الناطقين بالحسانية ليس بالمعروف عندنا على نطاق واسع …
طاب مساؤكم ،،،
عزالدين بن ڭراي بن أحمد يورَ

