واقع معاش مر باقليم طانطان رغم استقلال الاقليم منذ سنة 1958 ، فما تلتقطه العدسة أحيانا لا يكون مجرد صورة عابرة بل شهادة صامتة تدين واقعا بأكمله.
ومن قلب شارع بئرانزران لا تبدو المسألة مجرد مشهدٍ عابر بل تعبير صارخ عن اختلال في ميزان المسؤولية وجرح مفتوح في جسد الثقة بين المواطن ومن يفترض أنهم حماة المرفق العام.
إن المدن لا تقاس فقط بما فيها من طرقات وإسفلت بل بما تحمله من كرامة في تدبير شؤونها الاجتماعية و الصحية و البيئية و السياسية …ومن هيبة في مؤسساتها ومن احترام لذكاء ساكنتها وحقهم في العيش الكريم ..
وحين تتراكم صور الإهمال وتتكرّر مشاهد اللامبالاة فإن السؤال لا يعود تقنيا ولا ظرفيا بل يصبح أخلاقيا بامتياز اذا فمن يتحمل مسؤولية هذا التدهور وأي ضمير يقبل أن تستمر الأمور على هذا النحو.
إن الدعوة إلى تأهيل الأطر وتجديد الوجوه المنتخبة ليست ترفا سياسيا بل ضرورة يفرضها الواقع لان الاستمرار بنفس الأدوات وبنفس العقليات لا ينتج الا مزيدا من التعثر.
فالمؤسسات لكي تحافظ على هيبتها تحتاج إلى من يفهم معنى الخدمة العمومية لا من يتخذها سلما للمصالح الضيقة. تحتاج إلى كفاءات تدير لا إلى وجوه تكرر ذات الأخطاء وتعيد إنتاج نفس الاخفاقات.
ويحتاح السكان لتغيير مقاربة الدولة في اقليم طانطان و اليات اشتغالها المعطلة و الضعيفة في افق إدماج الطنطان في الحكم الذاتي لانه عاصمة المدن الصحراوية ، و اساس لكل حل دائم و مركز الثرات الثقافي النادي و الغير المادي و الذاكرة الحقوقية .
أما عن الحملات الانتخابية القادمة فانها لن تكون مجرد سباق على الأصوات بل امتحان حقيقي لذاكرة الناس ووعيهم ولجدية تعهدات الدولة بتنظيم انتخابات تنافسية و ديمقراطية وتجديد النخب و التصالح مع المجال و الانسان ولو لمرة واحدة تاريخية .
فالمواطن الذي عاين الواقع ولمس نتائجه في تفاصيل يومه لم يعد ذاك الذي يخدع بسهولة بالشعارات الرنانة أو الوعود المؤجلة.
لقد اصبح السؤال أكثر عمقا فماذا قدمتم واين كنتم حين كانت المدينة تحتاجكم؟
وأما ما يشاع عن إعادة ترشيح بعض الوجوه أو انتقالها بين الجهات بحثا عن مواقع جديدة فهو أمر يضعنا أمام اشكالٍ اكبر يتعلق بثقافة المحاسبة. إذ لا يمكن لأي تجربة ديمقراطية أن تنضج في غياب ربط حقيقي بين المسؤولية والمساءلة؟.
فالصوت الذي يمنح يوما هو أمانة ومن يبيعه أو يفرط فيه إنما يسهم عن وعي أو غير وعي في إطالة عمر الاختلال.
غير ان الأمل رغم كل شيء لا يزال قائما. فكل مرحلة تحمل في طياتها فرصة للتصحيح وكل وعي يتشكل اليوم قد يكون أساسا لغد أفضل
إن التغيير لا يبدا من أعلى فقط ومن عدم هندسة الإنتخابات بشكل مسبق في الغرف المظلة كما وقع في سعر شتنبر 2021..
و لا يبدأ من اقحام شباب تغيير مزيفين وشؤون داخلية غير جدية و وحماية حافلة ستيام تحمل تجار قادمون من الحجز باكادير لبيع البضاعة بالجملة في البلدية أو من مهندس مظلي فاسل نفسيا أو من رئيس جماعة وهمية مهجورة يتسلط على المجالس ويدمر قيم الدولة الاجتماعية و يحتل المرفق العام و لا من صاحب معمل يمارس الاتجار في البشر و البيئة في واضحة النهار وأمام أعين اللجنة الجهوية لحقوق الانسان و بتطبيل من بعض ادعياء الصحافة المتورطين في الفساد و بيع اصوات الناس و الاستفادة من ميزانية المياومين و فتات أحد الجوائز الاب مولها المجلس الجماعي بحوالي 30 مليون سنتيم .. ، بل من ذلك القرار الصغير الذي يتخذه المواطن حين يرفض الرداءة ويصر ميدانيا و شعبيا على اختيار من يستحق.
فلتكن هذه الصورة إذن أكثر من مجرّد توثيق لتكن لحظة تأمّل جماعي و للسلطة الإقليمية تعيد طرح الأسئلة الكبرى حول معنى التمثيل وحدود المسؤولية وقيمة المدينة في أعين أبنائها. ولعلها تكون أيضا بداية وعي جديد يدرك أن الكرامة الحضرية ليست مطلبا ثانويا بل حقّ أصيل لا يساوم عليه ولا يؤجل .
*لطرش فاطمة
رئيسة منتدى الحركة النسائية المغربية الصحراوية

