حلَّ المعرضُ الجهوي للثقافة في نسخته الثالثة عشرة بمدينة طانطان، وحلّت معه نسماتٌ معرفية وعلمية يفتقدها الإقليم ربما طيلة العام. إقبالٌ كثيف يعكس شغف الناس، كبارًا وصغارًا، بالاطلاع على الكتاب والكتبيين وما يعرضون، إلى جانب الندوات المنعقدة مساءً كل يوم، والأنشطة الثقافية والتربوية التي تُنظّمها جمعيات عاملة في القطاع، والتي استفاد ويستفيد منها صغارٌ كادت أن تعصف بهم برمجيات الهواتف، وتُلقي بهم فرادى في مستنقع الإدمان والانزواء.
يوميات الملتقى، بما تحوزه من تفاصيل، أظهرت وجهًا آخر للمدينة؛ مدينة تتنفس عمقًا معرفيًا مطمورًا، بالكاد يُسمَع أنينه. هو أنينُ حنينٍ إلى ماضٍ يتأسف أهله على زواله. ترى ذلك في الوجوه المنزوية على كراسي بعض الأروقة، كأنهم يقولون: “هنا كنّا نقرأ، ونحن تلاميذ صغار، ما يقرؤه اليوم طلبةٌ وموظفون كبار”. ورغم ذلك، فإن حجم الإقبال يدلّ على أنه لو توفرت بيئة ثقافية محفِّزة، لولج الصغار والكبار عوالم الكتاب والورشات والمعرفة، ولحطّت الآداب والعلوم والثقافة رحالها في المدينة طيلة العام. لكن من المسؤول عن هذا الغياب؟
هل هي الأسرة؟ أم المدرسة؟ أم المديرية؟ أم البلدية؟ أم الوزارة؟
وقبل أن نسائل الجميع، لنسائل أنفسنا سرًّا: كم نقرأ من حرفٍ في اليوم؟ وكم من دقيقة نقضيها أمام شاشة الهاتف مثلًا؟
المغربي يقرأ ما معدّله كتابان في السنة، مقابل 16 كتابًا للهندي سنويًا. والمغربي يقرأ ما بين 60 و70 ساعة في السنة، بينما الفرنسي يقترب من 300 ساعة سنويًا.
لقد أصبح المجتمع اليوم بعيدًا عن مجتمع الكتاب، وإن اقترب فبدافع فطرة أو حنين. ولعل من الأنسب أن يفتح الصغير عينيه على الكتاب منذ البدء، ليعود إليه ولو شرد عنه سنين.
السياسات العمومية لا تُولي لمجتمع الكتاب ما يستحقه، ولربما كما قال أحد المتدخلين في ندوة بالمعرض، تبحث عن الإسمنت والمقاولة قبل أن تستثمر في ما هو لامادّي!
نجاح المعرض يعكس أملًا في عودة الكتاب إلى الصدور، قبل الرفوف. وحضور العامة، ولو من باب الفضول، يعكس شعرةَ معاوية التي لا تنقطع. أمّا الغياب والحضور المتقطّع، فيعكس أزمة النخب السياسية؛ فكلما ولج المنتخب أو المسؤول بابَ المعرض، فاعلم أنه يستحق أن يكون ممثّلًا للشعب.
لجنة الإعلام والتواصل

