المحكمة تنتصر للدستور ضد تغوّل السلطتين التشريعية والتنفيذية على استقلال القضاء
في خطوة ذات دلالة دستورية عميقة، قضت المحكمة الدستورية بعدم مطابقة عدد من المواد من قانون المسطرة المدنية للدستور، وذلك بعد إحالة توصلت بها من رئيس مجلس النواب راشيد الطالبي العلمي. وشمل قرار المحكمة عدداً من المواد التي اعتُبرت ماسّة بمبادئ دستورية راسخة، من أبرزها استقلال القضاء، فصل السلط، وضمان حقوق الدفاع، وكذا الأمن القانوني والقضائي.
صلاحيات تقديرية غير مضبوطة تهدد الأمن القضائي
أبرز قرار المحكمة الدستورية رقم “255/25 م.د” أن الفقرة الأولى من المادة 17 من قانون المسطرة المدنية منحت للنيابة العامة صلاحية غير محددة قانونًا للطعن في مقررات قضائية حائزة لقوة الشيء المقضي به، بناء على مخالفة النظام العام، دون تحديد الشروط والضوابط الموضوعية التي تضبط هذه المكنة. واعتبرت المحكمة أن هذا الفراغ القانوني يخل بالأمن القضائي ويمس بحجية الأحكام القضائية.
تبليغات تُبنى على الشك لا اليقين
من بين المواد التي طالها البطلان، المقطع الأخير من الفقرة الرابعة من المادة 84، والمتعلق بكيفية تبليغ الاستدعاءات، حيث سمحت بتسليمها إلى أشخاص لم يثبت يقينًا أهليتهم أو علاقتهم بالمعني، وهو ما اعتبرته المحكمة فتحًا لباب التقدير والافتراضات في مجال حساس كالتبليغ، مما يهدد بحقوق الأطراف ويخل بمبدأ الثقة في الإجراء القضائي.
جلسات عن بعد خارج التأطير القانوني
المحكمة الدستورية اعتبرت أيضًا الفقرة الأخيرة من المادة 90 غير دستورية، لأنها لم تنص على الضمانات والإجراءات المصاحبة لعقد الجلسات عن بعد، مما أفرغ هذا الإجراء من مضمونه الدستوري الذي يفترض الحفاظ على حقوق الدفاع وضمان شروط المحاكمة العادلة.
حجب الحق في التعقيب على المفوض الملكي
في سياق آخر، أقرت المحكمة بعدم دستورية الفقرتين الأخيرتين من المادتين 107 و364، حيث تم منع الأطراف من التعقيب على مستنتجات المفوض الملكي، مما يمس بمبدأ تكافؤ الفرص بين الخصوم في ساحة التقاضي، وينتهك الحق الدستوري في الدفاع.
خلل في الإحالة القانونية
شملت الرقابة الدستورية أيضًا المادة 288 التي اعتُبرت غير واضحة بسبب خطأ في الإحالة القانونية، إذ أحالت على مادة لا علاقة لها بالإجراء المعني، ما يتعارض مع مبدأ وضوح النص القانوني ومقروئيته، حسب الفصل السادس من الدستور.
تغوّل السلطة التنفيذية على القضاء
قرار المحكمة تطرق كذلك إلى الفقرتين الأوليين من المادتين 408 و410، اللتين منحتا وزير العدل صلاحية تقديم طلبات الإحالة بشأن تجاوز القضاة لاختصاصاتهم، أو التشكك المشروع، وهو ما اعتبرته المحكمة خرقًا لاستقلال السلطة القضائية، على اعتبار أن الوزير عضو في السلطة التنفيذية التي لا يجوز لها التدخل في سير العدالة.
التدبير الرقمي للقضاء خارج نطاق السلطة القضائية
ووجهت المحكمة انتقادات صارمة للفقرة الثانية من المادة 624 والفقرتين الثالثة والأخيرة من المادة 628، التي خولت للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل إدارة النظام المعلوماتي الخاص بتدبير القضايا القضائية، واعتبرت ذلك تدخلاً غير مشروع في اختصاص السلطة القضائية، وخرقًا لمبدأ فصل السلط كما ينص عليه الدستور.
خلاصات وازنة: انتصار للدستور واستقلال القضاء
قرار المحكمة الدستورية يشكل لحظة فاصلة في مسار تقنين الإجراءات المدنية، إذ أبرز الحاجة إلى ضبط السلطة التقديرية للمؤسسات، واحترام المبادئ الدستورية الجوهرية، وفي مقدمتها فصل السلط، واستقلال القضاء، وحماية حقوق الدفاع، وهو ما يفرض على المشرّع إعادة النظر في المواد المطعون فيها بشكل ينسجم مع منطق دولة الحق والقانون.

