لم يعد من الممكن التعامل مع التعيينات الأسبوعية على أنها مجرد قرارات إدارية روتينية ، لأن تكرارها بالصيغة نفسها يطرح سؤالًا سياسيًا مشروعًا : لماذا يستمر غياب أبناء شريحة لمعلمين عن مواقع المسؤولية والقرار؟
وهل يعقل أن تكون هذه الشريحة ، بما قدمته للوطن من علماء وأطر وكفاءات ، عاجزة وحدها عن إنتاج من يستحق الثقة؟
أم أن هناك خللًا في آليات الإنصاف وتكافؤ الفرص يستوجب المراجعة؟
إن الإقصاء حين يتكرر ، يفقد صفة المصادفة ويصبح محل مساءلة سياسية وأخلاقية ، فلا يمكن بناء دولة المواطنة على خطابات المساواة ، بينما تظل فئات وطنية تشعر بأن حضورها في مؤسسات الدولة لا يعكس وزنها البشري ولا مؤهلات أبنائها.
إن العدالة لا تُقاس بما يقال في المنابر ، وإنما بما يظهر في القرارات والتعيينات ، وتوزيع المسؤوليات.
لقد راهن كثير من أبناء لمعلمين على أن الانخراط في العمل السياسي ، ودعم مؤسسات الدولة ، سيقود إلى شراكة حقيقية قائمة على الاحترام المتبادل والإنصاف غير أن استمرار الشعور بالتجاهل دفع بعضهم إلى التلويح بالانسحاب من الحزب الحاكم ، ليس بدافع الرغبة في التصعيد ، وإنما تعبيرًا عن خيبة أمل متراكمة ، وإحساس بأن الوفاء السياسي لم يقابله إنصاف سياسي.
أما أنا فقد التزمت طوال السنوات الماضية بخطاب مسؤول بعيد عن الإثارة والشعبوية ، وطرحت مطالبي ومطالب شريحتي عبر القنوات السياسية والإدارية ، مؤمنًا بأن المؤسسات هي الإطار الطبيعي لمعالجة المظالم ، ومع ذلك فإن استمرار تجاهل مطالبي من طرف الهيئات السياسية والحكومية يثير تساؤلات مشروعة حول أسباب هذا الصمت ، وحول مدى استعداد هذه المؤسسات للإنصات إلى الأصوات التي تطالب بالعدالة في إطار القانون.
وليعلم الجميع أن الدفاع عن حقوق لمعلمين ليس مشروعًا شخصيًا ، ولا معركة ظرفية ، بل هو التزام مبدئي لن أتراجع عنه.
وسأظل أرفع صوتي ضد كل أشكال التهميش والإقصاء ، مستندًا إلى مبادئ الدستور التي تكرس المساواة بين المواطنين ، وإلى حق كل فئة في أن تحظى بفرص عادلة بعيدًا عن أي اعتبارات غير موضوعية.
وفي الوقت نفسه ، فإن المطالبة بالحقوق لا تعني القطيعة مع الدولة ، ولا التنكر لمؤسساتها ، ولا معاداة النظام بل على العكس ، لأننا نمد أيدينا لكل مبادرة جادة نحو التصالح والتعاون ، ولكل إرادة سياسية صادقة تسعى إلى تصحيح الاختلالات وإنصاف لمعلمين وسائر الفئات التي تشعر بأنها لم تنل نصيبها العادل من الحضور في مؤسسات الدولة.
إن الدول القوية لا تخشى مراجعة سياساتها ، بل تعتبر الاعتراف بالاختلالات مدخلًا لتعزيز الثقة الوطنية وإنصاف لمعلمين لن يكون انتصارًا لشريحة بعينها ، بل انتصارًا لمبدأ المواطنة المتساوية ، ورسالة واضحة بأن الدولة لا تميز بين أبنائها إلا بالكفاءة والاستحقاق .
أما استمرار الإحساس بالتهميش ، فلن يخدم أحدًا ، وسيبقى عبئًا على مشروع بناء الثقة الذي يحتاج إليه الوطن اليوم أكثر من أي وقت مضى.
إحمودي الصديق
رئيس حراك لمعلمين – موريتانيا

