العيرج ابراهيم: صحراء نيوز
وسط حضور شعبي ومهني واسع، سكان المنطقة يؤكدون أن رمال مرزوكة ليست مجرد عقار، بل إرث تاريخي ومورد اقتصادي تعيش منه مئات الأسر
لم يكن صباح الأربعاء فاتح يوليوز 2026 يوماً عادياً في مرزوكة، تلك الواحة الصحراوية التي اعتادت أن تستقبل زوارها بسكون الرمال الذهبية وصفاء الأفق الممتد. فبينما كانت درجات الحرارة تلامس مستوياتها المرتفعة، كانت حرارة ملف آخر تتصاعد في قلب الكثبان، بعدما تحولت أشهر رمال المملكة إلى فضاء لوقفة احتجاجية حاشدة شارك فيها العشرات من أبناء المنطقة ومهنيي القطاع السياحي.
ومع الساعات الأولى من الصباح، بدأت وفود المحتجين تتقاطر على موقع الوقفة. شيوخ وشباب، نساء ورجال، قدموا من مرزوكة والمناطق المجاورة، في مشهد جسد تلاحماً مجتمعياً لافتاً، انضم إليه أرباب الفنادق والمخيمات السياحية، والمرشدون السياحيون، ومقدمو خدمات الرحلات الصحراوية، في رسالة موحدة تعكس حجم القلق الذي يثيره ملف تحديد وتحفيظ جزء من الأراضي السلالية التي تضم الكثبان الرملية الشهيرة.
ويؤكد المحتجون أن الأمر لا يتعلق بمجرد مسطرة إدارية أو نزاع حول حدود عقارية، بل بقضية تمس واحداً من أهم الموروثات الطبيعية والاقتصادية بالجنوب الشرقي للمملكة. فالكثبان الرملية بمرزوكة، في نظرهم، ليست مجرد امتداد للرمال، وإنما فضاء ارتبط بتاريخ المنطقة وهويتها، وشكل على مدى عقود ركيزة أساسية لازدهار السياحة الصحراوية ومصدر رزق مباشر وغير مباشر لمئات الأسر.
وتعود جذور هذا الملف إلى إعلان سابق يتعلق بمسطرة التحديد الإداري، كانت مبرمجة سنة 2022 قبل أن يتم تأجيلها، ليعاد الشروع فيها صباح الأربعاء فاتح يوليوز 2026. وبالموازاة مع حضور اللجنة التقنية المكلفة بعملية التحديد، التي واكبتها السلطات المحلية وعناصر الدرك الملكي، فضلت الساكنة التعبير عن موقفها من خلال وقفة احتجاجية اتسمت بالسلمية والانضباط، دون تسجيل أي أحداث من شأنها الإخلال بالنظام العام.
ورفعت خلال الوقفة شعارات دعت إلى حماية الأراضي السلالية وصون الحقوق التاريخية لذوي الحقوق، مع التشديد على ضرورة اعتماد مقاربة تراعي خصوصية المنطقة باعتبارها إحدى أبرز الوجهات السياحية الصحراوية بالمغرب، ومعلماً طبيعياً يحظى بإشعاع دولي، يستقطب آلاف السياح والباحثين عن العلاج بالرمال والاستمتاع بجمال الصحراء.
ويرى عدد من الفاعلين المحليين أن أي معالجة لهذا الملف ينبغي أن توازن بين احترام المساطر القانونية وضمان الحقوق المشروعة للساكنة، مع استحضار البعد الاقتصادي والاجتماعي الذي تمثله الكثبان الرملية بالنسبة للمنطقة، خاصة في ظل اعتماد نسبة مهمة من الساكنة على الأنشطة السياحية المرتبطة بهذا الموقع الفريد.
وبحسب مصادر محلية، فقد مرت الوقفة في أجواء هادئة ومسؤولة، حيث دعا المشاركون إلى فتح حوار جاد مع مختلف المتدخلين، بما يفضي إلى حلول توافقية تحافظ على الاستقرار، وتصون الحقوق، وتحمي في الآن نفسه واحداً من أبرز الكنوز الطبيعية التي صنعت اسم مرزوكة على خريطة السياحة العالمية.
ويبقى هذا الملف مفتوحاً على عدة احتمالات، في انتظار ما ستسفر عنه الإجراءات القانونية والإدارية خلال الأيام المقبلة. غير أن الرسالة التي حرص المحتجون على إيصالها كانت واضحة: مرزوكة ليست مجرد كثبان رملية تُرسم حدودها على الخرائط، بل ذاكرة جماعية، وهوية متجذرة، ومورد عيش يرتبط به حاضر المنطقة ومستقبلها.

