تكشف القراءة التحليلية لمشروع ميزانية جهة العيون الساقية الحمراء لسنة 2026 استمرار نفس مظاهر العبث والمبالغة في الاعتمادات المالية التي ميزت ميزانيتي 2024 و2025، دون أي تقييم موضوعي أو مراجعة حقيقية للاختلالات المتراكمة. فمن خلال المعطيات الرقمية المدرجة في المشروع، يتضح أن العديد من البنود ما تزال تُرصد لها اعتمادات ضخمة دون تبرير واضح أو معايير شفافة لتحديد المستفيدين منها.
فمثلاً، تستمر مصاريف التنشيط في حدود 500 ألف درهم سنوياً طيلة السنوات الثلاث، دون أي توضيح لماهية هذا “التنشيط”، أو الجهات التي تستفيد منه، ما يجعل السؤال مطروحاً: تنشيط ماذا؟ ولصالح من؟
أما الأجور والتعويضات المخصصة للموظفين والمؤقتين، فقد بلغت 4.4 ملايين درهم سنوياً من 2024 إلى 2026، دون نشر لوائح المستفيدين أو توضيح كيفية توزيع هذه المبالغ. وهو ما يثير الشكوك حول شفافية تدبير هذا الباب المالي.
وفي ما يتعلق بـ تعويضات المسؤولية، فقد رُصد لها مبلغ ثابت قدره 900 ألف درهم لكل سنة، دون تحديد أسماء أو مهام المستفيدين، ولا تفاصيل المعايير المعتمدة في منح هذه التعويضات.
كما خصصت الميزانية 400 ألف درهم لـ”إعانات عيد الأضحى”، وهو مبلغ يبدو رمزياً مقارنة ببنود أخرى أقل أولوية، بينما يبقى الغموض قائماً بشأن معايير اختيار المستفيدين.
أما باب كراء البنايات الإدارية فيستنزف بدوره مليون درهم سنوياً دون تبرير أو توضيح ما إذا كانت هذه البنايات مملوكة للجهة أو مكترى من أطراف لها ارتباطات بالمجلس. وتبرز أيضاً مبالغ مرتفعة في بند الصيانة الاعتيادية للبنايات الإدارية التي بلغت 3.2 ملايين درهم سنتي 2024 و2025 قبل أن تنخفض إلى 2.5 مليون درهم سنة 2026، في غياب أي تفاصيل عن طبيعة الأشغال أو الشركات المكلفة.
وفي الجانب التقني، رُصد لمستلزمات العتاد المعلوماتي مبلغ مليون درهم، رغم وجود فقرات أخرى مشابهة مخصصة للوازم المكتبية والطباعة، ما يطرح إشكالاً في تداخل البنود وضعف التخطيط المحاسبي.
أما باب الدراسات العامة، فيبرز كأحد أكثر البنود إثارة للتساؤل، إذ خُصص له مبلغ 23.5 مليون درهم سنة 2024، لينخفض بشكل حاد إلى 3 ملايين درهم سنتي 2025 و2026، دون الكشف عن طبيعة هذه الدراسات أو مكاتب الخبرة التي أنجزتها. وهو ما يفتح النقاش حول مدى جدواها ومردوديتها على التنمية الجهوية.
وفي السياق نفسه، تشير الميزانية إلى تخصيص 2.25 مليون درهم سنة 2024 ومليون درهم سنة 2025 ومليون درهم سنة 2026 لـ”الأبحاث”، رغم غياب معايير الاختيار أو نشر نتائج هذه الدراسات للرأي العام.
كما سُجلت اعتمادات متكررة وغير مبررة في خانة الإعلانات ودرجات النشر، التي ارتفعت من 600 ألف درهم إلى مليون درهم سنة 2026، دون أي تبرير لهذا الارتفاع أو توضيح طبيعة الحملات الإعلانية المعنية.
وفي المقابل، تم رصد مبالغ مهمة لفائدة مؤسسات اجتماعية وهيئات دعم، من قبيل 14 مليون درهم سنة 2024 و4 ملايين درهم سنتي 2025 و2026 كمساعدات لمؤسسات اجتماعية، إضافة إلى 7.5 ملايين درهم سنوياً لهيئات معونات لصالح المحتاجين، و3 ملايين درهم لمصاريف استشفاء المعوزين، و2.5 مليون درهم سنوياً لشراء كتب منح الجوائز، دون تحديد المعايير أو الجهات المستفيدة بدقة.
إن تكرار نفس الأرقام ونفس الصياغة على مدى ثلاث سنوات متتالية، دون تقييم للحصيلة أو مراجعة للجدوى، يعكس غياباً واضحاً لمفهوم الحكامة المالية داخل الجهة، ويكرس منطق الترقيع المحاسبي بدل التخطيط الاستراتيجي. فميزانية 2026، كما سابقتيها، تبدو نسخة مكررة بأرقام فضفاضة وتبريرات غائبة، مما يطرح بإلحاح سؤال المسؤولية والمحاسبة، ويستدعي تدخلاً رقابياً عاجلاً لوضع حد لهدر المال العام باسم التنمية الجهوية.

