العيرج ابراهيم:
في تاريخ المقاومة المغربية صفحات مجيدة صاغتها قبائل الحدود بمداد من الدم والوفاء، وتأتي في طليعة هذه الصفحات ملحمة قبيلة “ذوي منيع” العربية بالجنوب الشرقي للمملكة. هذه القبيلة الباسلة التي استوطنت مجالات تافيلالت، ووادي كير، وواحات الساورة، لم تكن مجرد حارسة للتخوم، بل شكلت عبر التاريخ درعاً بشرياً وسداً منيعاً في وجه الأطماع الأجنبية، وهي الميزة التي أفرد لها كبار المؤرخين المغاربة كابن خلدون والناصري حيزاً واسعاً من التقدير والتوثيق.
ومع أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وجدت القبيلة نفسها في مواجهة مباشرة مع آلة الحرب الفرنسية القادمة من الجزائر المحتلة، والتي سعت بكل قوتها للسيطرة على واحات المنطقة لتأمين مشروع السكك الحديدية عبر الصحراء. أمام هذا الزحف، قادت “ذوي منيع” بمختلف فروعها وأعيانها ، حركة مقاومة شرسة اعتمدت على حرب العصابات الخاطفة، مستغلة درايتها العميقة بتضاريس الحمادة والأودية، وهو ما تجلى بوضوح في معارك كبرى كمعركة “بوذنيب” عام 1908 على سبيل الحصر، مما أربك حسابات قادة الاستعمار وعلى رأسهم الجنرال “ليوطي” الذي اعترف في تقاريره الاستخباراتية بصعوبة التنبؤ بتحركات هؤلاء “الفرسان” وقدرتهم على التلاشي في فضاء الصحراء الشاسع.
ولم يكن الصراع عسكرياً فحسب، بل كان صراعاً مريراً على الهوية والشرعية؛ إذ تحولت القبيلة إلى ضحية مباشرة للدبلوماسية القسرية والغموض المقصود الذي طبع “اتفاقية لالا مغنية” لعام 1845، حيث تلاعبت فرنسا بالخرائط لتمزيق “النجعة” والمجال الحركي والرعوي للقبيلة، معتبرة أراضيها التاريخية في “بشار” وزوزفانة مجرد “أرض بلا صاحب”. وأمام العجز العسكري للمخزن آنذاك بسبب الضغوط الدولية، لجأت قوات الاحتلال إلى أساليب انتقامية قاسية شملت الحصار الاقتصادي، ومصادرة آلاف المواشي، ومحاولة زرع الفتنة بين القبائل المجاورة لكسر شوكتها. لكن رد ذوي منيع جاء حاسماً وصادماً للدوائر الاستعمارية، إذ لخصوا موقفهم الوجودي المنطلق من انتمائهم للإيالة المغربية الشريفة وولائهم و بيعتهم للسلاطين العلويين بعبارة تاريخية خالدة: “إن ضاعت الأرض، فلن تضيع البيعة“.
إن هذه المقولة العميقة لم تكن مجرد شعار حماسي، بل كانت وثيقة صمود واعية تفصل بين السيادة المادية المفروضة بقوة السلاح، وبين الشرعية القانونية والروحية التي تربطهم بوطنهم؛ فقد رفضت القبيلة مقايضة ولائها بالمال أو المناصب التي عرضتها “المكاتب العربية” الفرنسية، واختارت أن تتحمل كلفة الدفاع عن حوزة الوطن ودين الأمة. ومن خلال هذا التمسك الأسطوري بالعهد، أثبتت قبيلة “ذوي منيع” أن خطوط الخرائط الوهمية التي رسمها المستعمر تعجز عن طمس الهوية، لتظل مواقفهم منارة تاريخية تؤكد أن وعي الشعوب وتمسكها بأصولها هو الصخرة التي تتحطم عليها أطماع الإمبراطوريات.

