بقلم: العيرج ابراهيم
لم يكن “أيوب”، ابن مدينة الرشيدية، يبحث عن الرفاهية في القنيطرة، بل كان يطارد حقه المشروع في الكدّ والعيش الكريم، هارباً من جهةٍ أعطت للوطن كل شيء ولم تمنح أبناءها سوى تذاكر الحافلات نحو المجهول. إن الاعتداء الشنيع الذي تعرض له أيوب ليس مجرد جريمة عابرة، بل هو صرخة في وجه التهميش الذي جعل من شباب الجنوب الشرقي “غرباء في وطنهم”، يقتاتون على الصبر في انتظار عدالة مجالية لم تأتِ بعد.
تتداخل في جهة درعة تافيلالت مقومات استثنائية تجعل الانبهار بحجم “ثروتها النائمة” أمراً حتمياً، حيث تحتضن جبالها وواحاتها توليفة نادرة من الموارد؛ فهي اليوم بمثابة عاصمة عالمية للطاقة المتجددة بفضل محطة “نور”، وتتربع على عرش الاقتصاد المنجمي الوطني باحتياطات هائلة من المعادن النفيسة، وتكتنز هوية بصرية وسياحية فريدة قادرة على خلق آلاف فرص الشغل. ومع ذلك، يظل هذا الثراء حبيس الأوراق والندوات، بينما يضطر شباب الجهة، مثل أيوب، لمغادرة أحضان واحاتهم بحثاً عن لقمة العيش في مدن بعيدة، ليدفعوا من أمنهم وسلامتهم ثمن غياب المناطق الصناعية والمشاريع المهيكلة في أقاليمهم الخمسة.
إن قصة أيوب هي التجسيد الحي للفشل السياسي الذي يغلف المنطقة؛ فبينما تتصارع النخب الحزبية في المجالس المنتخبة على المصالح الضيقة وتغرق في “بلوكاج” تنموي لا ينتهي، يظل الترافع عن قضايا التشغيل والبنية التحتية، مثل “نفق تيشكا” الموؤود، باهتاً ولا يرقى لحجم المعاناة. هذا “العجز الإبداعي” لممثلي الجهة في البرلمان والمجالس جعل من درعة تافيلالت مجرد “خزان للموارد” ومصدر لليد العاملة المهاجرة، عوض أن تكون قطباً اقتصادياً يحتضن كفاءاته ويحمي كرامة أبنائه فوق أرضهم.
إن الاعتداء على أيوب هو إدانة صريحة لكل من رضي بأن تظل الجهة أسيرة العزلة، ولكل مسؤول اكتفى بتدبير الروتيني وترك الشباب لمواجهة قسوة “الغربة القسرية”. المنطقة لا تحتاج اليوم لتعازٍ أو تضامن عاطفي فحسب، بل تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية تعيد الاعتبار للإنسان في الجنوب الشرقي، وتقطع مع عقلية “الإقصاء المجالي” الذي جعل من البحث عن عمل مغامرة محفوفة بالمخاطر. فمتى يدرك حراس الشعارات أن كرامة أيوب هي من كرامة الأرض التي أنجبته، وأن التاريخ لن يرحم من فرط في أمن وأحلام جيل كامل؟

