في أجواء يطبعها الخشوع والتآزر الاجتماعي، تعيش الجهات الصحراوية الثلاث بالمملكة المغربية، كلميم واد نون والعيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب على إيقاع رمضاني متميز، تتداخل فيه القيم الدينية مع العادات والتقاليد الحسانية الأصيلة، تترجم عمق الروابط الاجتماعية وخصوصية الثقافة المحلية.
ومع ثبوت رؤية هلال رمضان، تنطلق الاستعدادات داخل البيوت الصحراوية قبل أيام من حلول الشهر الفضيل، حيث تحرص الأسر على اقتناء المستلزمات الضرورية، وتنظيف المنازل وتطييبها، في طقس جماعي يعكس الفرح بقدوم الشهر المبارك. ويُعد رمضان مناسبة لتعزيز الروابط العائلية، إذ تتقاسم الأسر التحضيرات وتتبادل الزيارات في أجواء تسودها الألفة والتآخي.
وعلى موائد الإفطار، تحافظ الساكنة الصحراوية على أطباق تقليدية توارثتها الأجيال، من بينها الحريرة الصحراوية، و”الطاجين“ بمختلف أنواعه، والكسكس، إلى جانب التمر والحليب. ويحتل الشاي الصحراوي مكانة خاصة كطقس اجتماعي قائم بذاته، يُحضَّر وفق مراحل دقيقة ويُقدَّم بعد الإفطار وخلال السهرات الرمضانية، باعتباره رمزًا للكرم وحسن الاستقبال.
أما المساجد، فتشهد خلال الشهر الفضيل إقبالًا لافتًا من المصلين لأداء الصلوات الخمس وصلاة التراويح، حيث تسود أجواء من الخشوع والسكينة. كما تُنظَّم دروس دينية وحلقات لتلاوة القرآن الكريم، يشارك فيها الكبار والصغار، ما يرسخ قيم التربية الإسلامية ويعزز الارتباط بالشعائر الإسلامية.
ويُعد التكافل الاجتماعي من أبرز ملامح رمضان في الجهات الصحراوية، إذ تنتشر مبادرات التضامن، من خلال توزيع قفف رمضانية، وتنظيم موائد إفطار جماعية لفائدة المحتاجين وعابري السبيل. كما تحرص الأسر على إرسال أطباق الإفطار إلى الجيران والأقارب، في تقليد يمثل روح المشاركة وتقاسم الخير.
وخلال ليالي رمضان، لا تخلو المجالس الصحراوية من جلسات السمر، حيث يجتمع أفراد العائلة لتبادل الأحاديث، وسرد الحكايات الشعبية، وإحياء بعض التقاليد الشفوية التي تشكل جزءًا من الذاكرة الجماعية للمنطقة. كما يحرص الكثيرون على ارتداء الزي التقليدي، مثل الدراعة والملحفة، تأكيدًا على التشبث بالهوية الثقافية.
شهر رمضان بالجهات الصحراوية الثلاث يشكل مناسبة دينية واجتماعية بامتياز، تتجدد خلالها قيم التضامن والتراحم، وتبرز فيها العادات والتقاليد الأصيلة، في صورة تحاكي غنى الموروث الثقافي الصحراوي، وتؤكد مكانة رمضان كفضاء جامع للروحانية، والهوية، والتلاحم الاجتماعي.

