لقد اعتادوا تسجيل الفوائدِ العلمية في نصوصٍ مِن الرجز، لبساطته وموسيقيته وسهولة حفظه، وقد كان للموريتانيين من ذلك النصيب الأوفر، ربما بسبب حاجتهم في ماضي الزمن إلي النظم أكثر من غيرهم، وهم مَن رمت بهم الأقدار في محيط جغرافي منقطع عن المراكز الحضرية، حيث توشك أن تنعدم وسائل التقييد والتسجيل، وقد كنتُ كتبتُ أسطُراً عن حضور الأنظام في الثقافة الموريتانية إسهاما في موضوع يحتاج بحثا أكثر تأنياً ودراسةً أبعدَ عُمقا …
وربما عدل الموريتانيون في نظمهم للفوائد عن الرجز إلى الشعر بمختلف بحوره الخليلية المعروفة، فتحصلت من ذلك قصائد ومقطعات تجمع للمُتلقِي بين الفائدة العلمية والمتعة الشاعرية التي تتدرج بتدرج الناظم في سلم الشعراء والأدباء، ولهم فيمن مضى من غير قطرهم أسوة أحسوة، فلامية الأفعال في الصرف لمحمد بن مالك قصيدةٌ جميلة من بحر البسيط، والشاطبيةُ المُسماةُ “حرز الأماني ووجه التهاني” شعرٌ طويلٌ في بحر الطويل تناول القراءات السبع بتفصيل، ومنظومة الشبراوي في النحو، علاوةً على مضمونها المفيد، ما هي إلا قصيدة خَمسينيةٌ قريبة المأخذ سلسة الأسلوب حسنة الشاعرية، وهي التي يقول فيها صاحبها عند الكلام على منصوبات الأسماء :
وابْنِ المُنادَى على ما كانَ مُرْتفِعاً
بهِ، وقٌلْ يا إمامُ اعْدِلْ ولا تَمِلِ
وإنْ تُنادِ مُضافاً أو مُشاكِلَهُ
قٌلْ : يا رحيماً بِنا يا غافِرَ الزَّلَلِ
وإن تُمَيِّزْ فَقُل : عشرونَ جاريةَ
عندَ الأميرِ وقنطارٌ مِنَ العسَل
وانصِبْ بِإلا إذا استثنَيتَ نحوُ أتتْ
كلُّ القبائلِ إلا راكبَ الجَملِ
لما خطر بفكري التدوين عن عدول أهل هذه الربوع عن الرجز للشعر في المجال العلمي، تواردت على الذهن دفعة مجموعة من النصوص لا إقصاء فيها ولا استقصاء. مِن أول ما تذكرتُ من ذلك قطعةٌ جميلة جمالَ شعر صاحبها، نظَم فيها الشاعرُ المٌفلق محمد بن ابنو ابن احميدَن الشقروي مسألة بالغة الأهمية في باب الذكاة، وهي مسألة رفع المُذكي للآلة قبل تمام الذبح وما فيها مِن حالات وما يترتب عليها مِن أحكام :
إذَا رَفَعَ المُوسَى المُذَكِّي ضَرُورَةً
أُبِيحَت لَديهم مُطلَقاً لاِضطِرَارِهِ
وَإِن يَكُ مُختَاراً وَطَالت فَمَيتَةٌ
لِتَقصِيرِهِ في رَفعِهِ وبِدَارِهِ
وإن رَدَّ عَن قُربٍ فَالأقَوالُ خَمسَةٌ :
فَالأكلُ بِإطلاَقٍ لَهُ ولِجَارِهِ
سَوَاءً تَوَخَّى الرِّفعَ جَرّاً يَقَينِهِ
تَمَام ذَكَاةِ الذِّبحِ أو لاختِيَارِهِ
وذَا عَكسُهُ قَولٌ وَلَم أرَ قَائِلاً
بِتَضعِيفِهِ عَنهُ وَلاَ بِاشتِهَارِهِ
وَثَالِثُهَا التَّفصِيلُ والأَكلُ لَم يُقَل
إِذَا الرَّفعُ بِاختِيَارِهِ غَيرَ كَارِهِ
وإن يَكُ إتمَامُ الذَّكَاةِ يَقِينَهُ
لَدَى رَفعِهِ حلَّت لَهُ لاِغتِرَارِهِ
وَرَابِعُهَا عَكسُ الأخِيرِ وخَامِسٌ
تَبَيَّنَ مِنهُ الكُرهُ عِندَ اختِيَارِهِ
فَذَا لاَحِبُ الحَبرِ التَّنَائِي مُلتَقَى
شُوارِدِ عِلمِ الفِقهِ فُلكِ بِحَارِهِ
فَلا حِبُهُ يُهدِي الحَيَارَى مَنَارُهُ
وَكَم لاحِبٍ لاَ يُهتَدَى بِمَنَارِهِ
ومن جميل الشعر التعليمي الذي يفوح بشذى الأدب بيتان للعلامة محمد الأمين بن ابي المعالِي اليعقوبي نظمَ فيهما ما فيه توسيع للنساء في مناسبات خاصة :
إذا صبغتْ بالطيبِ سائرَ جلدِها
عروسٌ ففِي الحطّابِ أن تتيمَّما
و ليسَ عليها نقضُ ضفرِ عِقاصِها
إذا كانَ ذاكَ الضَّفرُ يَشفِي المُتيَّمَا
ولعلَ الفرعَ الأول هو الذي عزاهُ الحطاب لمحمد بن علي بن فرحونَ في كتابه “المسائل الملقوطة من الكُتب المبسوطة”، وِأشار له العلامة الورِع الصالح محنض بابَ بن امَّين حفظه الله ورعاه بقوله – ويُفهمُ منه عدم تأييده – :
و أحمدٌ على العمامةِ مَسَحْ
مُستنِدًا لِخبرٍ في ذاكَ صَحْ
ورأيُ أحمدَ لهُ الثَّورِيُّ
مالَ وداودُ والَأوزاعيُّ
و لِإِجازتِهِمُ المسحَ عَلَى
سَترِ العمامةِ وهُمْ ذُوُو عُلا
قد جوّز المسحَ على الحنّاءِ
إمامُنا القُورِيُّ للنِّساءِ
أمَّا التيمُّمُ الذي يَصُنّا
طِيباً بالأعراسِ بهِ أو حِنّا
فلْتدَعِ الفتوَى بهِ للسَّائِلِ
مُحترِماً ملقُوطةَ المسائلِ
ومِن الأمثلة الشائعة الجميلة في هذا الباب ما نظم به العلامة اللغوي المُتبحر أحمد (ابُّوهْ) بن اجَّمَدْ اليدالي حركة حاء المضارع مِن فِعل “حلَّ” بمعانيه المختلفة :
البيتُ حلَّ بهِ وحلَّ عُقدتَهُ
بالضم آتيهما، واكسرْ خلافَ حرُمْ
وحلَّ دَينٌ وفي حلَّ العذابُ بهِ
وجهان قد رُوِيا عن من مضَى وقدُم
من لم تُزِل جذوةُ “المِصباحِ” ظُلمتَهُ
تطُل جهالتُه ضَبْطَ اللُّغَى وتدُمْ
ويقول لمرابط امحمَّدْ بن أحمدْ يُورَ في أحكام صلاة السفر، وبالتحديد في حدِّ البريد الذي يُجمع على”بُرُد”، وفي سفر أربعة بُرُد فما فوق تقصر الصلاة :
يا سائلينَ عنِ البريدِ وقدرِهِ
إنَّ البريدَ مِن الفراسِخِ أربعَهْ
والفرسَخُ الأمْيالُ فيه ثلاثةُ
والمِيلُ ذا ألفا ذراعِ مٌقنعَهْ
ويقول شقيقه محنضْ بن أحمد يورَ ناظما حكمَ الفصل بين اسم التعجب ومعموله عند النحاة :
هشامٌ معَ الجَرْميِّ من أهلِ بَصْرةٍ
يُجيزانِ “ما أبْهى-مُجرَّدةً- هِندا
وجعلُكَ لولا تُشبهُ الحالَ عندهمْ
رواهُ ابنُ كَيْسانَ الذي كُسِيَ المجْدَا
وبعضٌ من التجويزِ أعْراهُ مُطْلَقاً
وبعْضٌ منَ التجويزِ أكْسَبهُ بُرْدا
وقولُ عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجْهَهُ
روَوْهُ صحيحاً ما استطاعُوا لهُ ردَّا
وبالمصدرِ افْصِلُ يا خلِيلي وإنَّما
يُجوزهُ الجَرميُّ من قومهِ فرْدا
ومن ظريف شعره التعليمي في بحر المُتقارب :
إضافةُ شيئٍ إلى مثلهِ
يُجَوزُ يحيى الشهيرُ الفريدْ
إذا كانَ معناهما واحِداً
وقدْ كانَ في اللفظِ بُونٌ بعيدْ
فَحقُّ اليقينِ دليلٌ لهُ
وحبُّ الحصيدِ وحبلُ الوريدْ
ويقول القاضي محمذن “امَّيَيْ” بن محمد فال في بحر السريع، ناظماُ بعض أحكام النكاح :
إن زُوِّجتْ هندٌ لِعمرٍ علَى
زيدٍ، و زيدٌ ساكِتٌ حاضرُ
ثمَّ انقضى المجلسُ ما قالَ : لا
وَسارَ فِي سَبيلهِ السَّائرُ
فــقِـيلَ : ذا مِنهُ طلاقٌ لها
وقِيلَ لا، و الأضعفُ الآخِرُ
ويقول شَمَّاد بن أحمد يورَ في السدل والقبض :
سُنَّةُ القبضِ عابدٌ قد نفاها
بنُصوصٍ للأقدمين عزاها
إن رآها المُصغِي لِقولةِ حَقٍّ
صَدَّ عما قد اقتفَى واقتفاها
وفي بحر الطويل يقول أحد التلامذة ناظماُ بعض ما ذكره الشيخ خليل في ألفاظ الطلاق :
بِزَوَّجتُ زَوِّجْ أو بأنكحتُ بِنْتَكَا
وما اشْترطُوا ذِكرَ الصَّداقِ هُنالِكَا
“وهَبْتُ” بِها زَوِّجْ بِذِكْرِ صداقِها
وهل كٌلُّ لفظِ للدَّوامِ كذلِكَا؟
لقدْ رجَّحُوا منعاً، وما ليسَ لِلبقَا
فبِالمنعِ قد سَدُّوا عليهِ المسالِكَا
ذلك ما وردَ علي في أول وهلة.
طاب يومكم ،،،
عز الدين بن ڭراي بن أحمد يورَ

