حلّت خلال الأيام الأخيرة لجنة رفيعة المستوى من المجلس الجهوي للحسابات بمدينة آسفي لفتح جولة جديدة من التدقيقات الموسَّعة داخل مصالح الجماعة، شملت ملفات مرتبطة بـأسطول العربات، وتدبير الممتلكات الجماعية، وطرق الاستغلال والصيانة. ويأتي هذا التحرّك في لحظة حساسة تشهد فيها الجماعة استمرار عمليات الافتحاص التي تقوم بها المفتشية العامة للإدارة الترابية بوزارة الداخلية منذ أزيد من ثلاثة أشهر، وهي مدة غير معتادة في مثل هذه المهمات، ما يعكس حجم الملفات قيد الفحص وتشعبها.
افتحاصات داخلية غير مسبوقة… وملفات تتوسع
وبحسب مصادر متطابقة، فإن مفتشي الداخلية يواصلون منذ أسابيع عمليات تدقيق دقيقة في الملفات المالية والمحاسباتية، وسجلات التعمير، وبرمجة النفقات، ومراقبة صرف الاعتمادات، إضافة إلى مراجعة منهجية للصفقات العمومية التي احتلت الواجهة خلال الأسابيع الماضية بفعل شبهات أثارت نقاشاً واسعاً داخل الرأي العام المحلي.
وتشير المصادر ذاتها إلى أن لجنة المفتشية تركّز بشكل خاص على مساطر إبرام الصفقات، وطريقة الإعلان عنها، ومدى احترامها لمقتضيات القانون، فضلاً عن التحقق من ظروف تنفيذ عدد من المشاريع التي التهمت ميزانيات كبيرة دون أثر واضح على أرض الواقع. وتؤكد المعطيات أن عملية الافتحاص ما تزال مرشّحة لمزيد من التوسع، بعدما طُلب من عدد من الأقسام إعداد وثائق إضافية وإعادة ترتيب سجلات متفرقة.
وصول قضاة الحسابات… ضغط رقابي مضاعف
حلول قضاة المجلس الجهوي للحسابات بالتزامن مع استمرار مهمة الداخلية اعتُبر سابقة في تدبير جماعة آسفي خلال السنوات الأخيرة، وُصفت من طرف عدد من المتابعين بأنها “إشارة قوية على تعقّد الوضعية التدبيرية” وارتفاع الحاجة إلى قراءة محاسباتية وقانونية متقاطعة لعدد من الملفات.
وتهمّ مهمة قضاة الحسابات أساساً التدبير اللوجستيكي للأسطول الجماعي، نظام تتبع الاستهلاك، وضعية الممتلكات العقارية والمنقولة، ومساطر الجرد والتقييد المحاسباتي. وتشمل أيضاً تقييم النجاعة في استعمال الموارد، وهي نقطة ظلّت محط مساءلة داخلية وخارجية بفعل شكايات متعددة من جمعيات مدنية وأعضاء معارضة.
ارتباك داخل الجماعة… ودورات “مغلقة”
وتزامنت هذه التطورات الرقابية مع حالة ارتباك تدبيري داخل المجلس الجماعي لآسفي، الذي يرأسه إلياس البداوي عن حزب الأصالة والمعاصرة، في إطار تحالف يضم حزبي التجمع الوطني للأحرار والاستقلال. إذ شهدت الدورات الأخيرة للمجلس إغلاقاً تاماً في وجه الصحافة والعموم، ما اعتبرته فعاليات حقوقية “سابقة خطيرة تضرب مبدأ الشفافية وحق المواطنين في تتبّع النقاش العمومي”.
وقد تم تمرير مجموعة من النقاط المدرجة في جداول الأعمال “بسرعة لافتة” وفق شهادات من داخل المجلس، ومن دون نقاش معمق بين الأعضاء، وهو ما غذّى الشبهات حول غياب الحكامة في اتخاذ القرار، خصوصاً في ظل الظرفية الحرجة التي تمر منها الجماعة.
المواقف السياسية: العدالة والتنمية يدخل على الخط
وفي سياق متصل، سبق لحزب العدالة والتنمية أن كشف، عبر بيانات وتصريحات محلية، عن “ملفات فساد خطيرة” قال إنه يملك بشأنها وثائق ومعطيات، مؤكداً أن ما يجري اليوم من افتحاصات يؤكد وجاهة مطالبه السابقة. ويرى مراقبون أن دخول الحزب على الخط ساهم في تعميق النقاش العمومي حول طريقة تدبير الشأن المحلي، وزاد من الضغط على السلطات الرقابية للإسراع في إصدار نتائج التحقيق.
بين انتظارات الساكنة واحتمالات المرحلة المقبلة
وتعيش ساكنة آسفي حالة ترقّب واضحة، في ظل غياب أي تواصل رسمي من طرف الجماعة بخصوص مسار الافتحاص أو الإجراءات الإصلاحية المحتملة. ويأمل المواطنون أن تفضي هذه العملية المزدوجة بين المفتشية العامة وقضاة الحسابات إلى كشف الاختلالات وتحديد المسؤوليات بكل دقة، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويرى متتبعون أن النتائج النهائية لتقرير المفتشية العامة ستكون حاسمة في رسم مستقبل المجلس الجماعي، وقد تترتب عنها قرارات إدارية أو قانونية، خصوصاً في الملفات التي أثارت جدلاً واسعاً خلال السنوات الأخيرة.
هيئات مدنية: لا إصلاح من دون شفافية
وفي غضون ذلك، تطالب جمعيات مدنية بإعادة فتح الدورات الجماعية أمام وسائل الإعلام والمواطنين، معتبرة أن أي إصلاح حقيقي يتطلب إرجاع الثقة عبر إرساء آليات للتواصل والوضوح، وتمكين الرأي العام من ولوج المعلومات المتعلقة بالصفقات وبرامج العمل وكيفية صرف الموارد.

