مرة أخرى، يطل علينا حزب التجمع الوطني للأحرار بمسرحية سياسية جديدة، هذه المرة من قلب مدينتي الداخلة والعيون، حيث توهم مسؤولو الحزب الرأي العام المحلي بأنهم يحملون هموم ساكنة الجهات الصحراوية ويدافعون عن مصالحها. لكن الواقع، كما اعتدناه منذ تولي الحزب رئاسة الحكومة، يؤكد أن ما يحدث ليس سوى محاولات يائسة لتلميع صورة باهتة، عجزت عن الصمود أمام خيبات التنمية، وتهاوت أمام صمت الحكومة عن معاناة ساكنة الجنوب.
أين أنتم حينما تعاني مناطق كلميم، السمارة، آسا الزاك، وطرفاية من العطش والإقصاء؟ أين أنتم حين يُطرد الشباب من فرص الشغل، وتُجهض أحلامهم في إنشاء مشاريع صغرى بسبب عراقيل إدارية وغياب الدعم الحقيقي؟ أين أنتم من معاناة النساء في القرى مع غياب مراكز الصحة؟ من هدر الزمن المدرسي لتلاميذ المناطق النائية؟ أين أنتم من نزيف الهجرة الداخلية بسبب غياب فرص العيش الكريم؟
بل أين أنتم حين أصبح اليأس يدفع شبابنا إلى ركوب “قوارب الموت” نحو المجهول، في مشاهد تُفجع الضمير الوطني، وتكشف إفلاس السياسات العمومية تجاه الجنوب؟ أين موقفكم من تفشي شبكات تهريب البشر التي ثبت تورط رموز حزبية محلية في تسهيل عملها، بل وارتباط بعض الأسماء النافذة بشبهات الاتجار الدولي في المخدرات؟ أليس الأجدر بحزب يقود الحكومة أن ينظف بيته الداخلي قبل أن يستعرض عضلاته الخطابية في لقاءات أشبه بجلسات علاقات عامة؟
أما الجسم الإعلامي في الصحراء، فلم يسلم هو الآخر من قبضة التضييق. تُقصى المنابر الجادة، وتُحرم من الدعم العمومي، بينما تُغدق الأموال على منصات ومواقع لا تتمتع بأبسط شروط المهنية، فقط لأنها تُجيد التطبيل وولاؤها الحزبي مضمون. هكذا تُختزل حرية التعبير في مقايضة مكشوفة، تسعى لتطويع الإعلام بدل خدمته كسلطة رابعة مستقلة.
إن هذه الزيارات الاستعراضية لا تخدم سوى الأجندة الحزبية الضيقة، بينما تظل الملفات الحقيقية معلقة تنتظر قرارات جريئة ومسؤولة. أما أن يُستغل أبناء الجهات الصحراوية في حملات التلميع الحزبي، ويُستغفل الرأي العام المحلي بتصريحات لا تملك أثراً على الأرض، فذلك أمر يبعث على الغضب والسخرية معاً.
الشعب لم يعد يثق في لغة الخشب، والجنوب المغربي لا يحتاج إلى مسرّات خطابية بل إلى إرادة سياسية حقيقية. لقد سئمنا الكلام، ومللنا التسويف، وحان وقت المحاسبة. فلتتحملوا مسؤولياتكم، أو على الأقل واجهوا الواقع بصمت، عوض أن تواصلوا خداع من صوّت لكم ذات يوم طمعاً في التغيير، فإذا به يحصد الندم.

